عن الكتاب
لاشك في أن شعرنا العربي قد بلغ، في مرحلته الحديثة، مبلغاً من النضج يصنعه في مستوى واحد مع أعظم ما في العالم من شعر وأكثره جاذبية وعمقاً. وربما تمثل هذا النضج في شعراء مثل السياب، أدونيس، خليل حاوي، محمد الماغوط، عبد الوهاب البياتي، عبد الصبور، سعدي يوسف، محمد عفيفي مطر، ومحمود درويش.. وآخرين. وإذا تجاوزنا هذا الصف من الشعراء فقد تتسع الأمثلة لتشكل أفقاً شعرياً عالياً يتسم بالغنى والتنوع إلى درجة فريدة. لقد استطاع جيل جديد من الشعراء أن يرقى إلى مستويات عالية من الأداء المحكم الصافي، وأن يربط نسيج نصوصه بحركة الحياة وعالمها السفليّ الذي يضج بالحلم والقهر على حد سواء. غير أن هذه المقدمة لا تظلّ بهيجة إلى النهاية؛ فمع كل ما قيل ليس هناك أكثر إرتباكاً وفوضى من مشهدنا الشعري الراهن الذي يبدو، أحياناً، وكأنه تداخل محموم، وعصيّ على التفسير ربما ، لخليط لا تجانس فيه من الرؤى والأجيال والأساليب." إن القصيدة عمل خاص جداً، لا تذهب بنفسها إلى الآخرين دائماً، ولا تفتح مغاليقها لهم جميعاً وفي كل وقت: فهي ليست أغنية أو حكاية، إعلاناً، بل هي عمل غائم ومشعّ في آن واحد. ولذلك فإن ما فيها من ضوء يظل كامناً أو مؤجلاً في انتظار قارئ موهف، لا قارئ عام، قارئ قادر على إحداث ذلك التماس المقلق بينه وبين النص. وليس كل القرّاء قادرين، بطبيعة الحال، على الوصول إلى نقطة التماس تلك: حيث مكمن الضوء، أو الرعد، أو الإثارة. وهكذا، كلما زادت القصيدة إحكاماً أو تعقيداً قل عدد قرائها المتميّزين. أعني القادرين على الوصول إلى نقطة الاندماج بالنص وتفجير مكنوناته الفكرية والوجدانية والبنائية. وتأسيساً على ذلك، يظل عدد المرهفين، من قرّاء الشعر، قليلاً في العصور كلها؛ فالشعر، كما يقول الشاعر الأمريكي اللاتيني خوان رامون جيمينز، هو فن الأقلية الهائلة.