آداب

المدرسة العنصرية

عن الكتاب

منذ أن كنّا أطفالا، وقبل أن يدركنا الوعي السياسي الإلزامي.. ونحن نعرف أنّ لنا حكاية مع إسرائيل على أرض فلسطين.. لكن ما الحكاية؟ لا ندري! إن كنا لا ندري ما الحكاية، فقد كنّا نوقن أن قضية إسرائيل هي السياسة، والسياسة هي قضية إسرائيل فقط لا غير! أطفال العرب وحدهم - من بين أطفال العالم - هم الذين يتعلمون «السياسة الخارجية» قبل «السياسة الداخلية». لم يكن يعكر صفو جلساتنا العائلية سوى دقّات ساعة "بيج بن" إنه توقيت جرينتش.. هنا لندن. وإذا كان «هنا لندن» فإنّه تلقائيًا ينبغي أن يكون هنا الصمت، هنا التوقف عن الحركة، هنا التوقف عن الهمس، هنا الاكتئاب! لم يكن أحد منّا يجرؤ على الحديث إذا كانت لندن تتحدث، وأخبارنا ينبغي أن تؤجل حتى تنتهي أخبار إسرائيل. قصف الطفولة فينا ينبغي أن يستمرّ ما دام أنّ قصف إسرائيل مستمر! هكذا كانت «هنا لندن» تقتحم علينا جلساتنا العائلية- 3 مرات يوميًا بحسب توقيت جرينتش - فتقلبها من مجلس عائلي مزدحم بالأشخاص والمشاعر إلى غرفة عمليات عسكرية يديرها ضابط واحد، أما البقية فهم جنود محالون على التقاعد! هذه الصورة العائلية المسيّسة لم تكن خاصة بمنزلنا فقط، بل إننا نذكر أنّ كثيرًا من زملاء الدراسة حين نقوم بزيارتهم نرى المشهد نفسه ماثلاً أمامنا. وبعد.. فما الذي تغيّر منذ ذلك التاريخ؟ ما زالت إسرائيل تقصف فلسطين ومدنها وقراها ومخيماتها.. وما زالت «هنا لندن» تقصف جلساتنا! لقد تبدّلت الأدوار فقط، ما بين الأمس واليوم.. هناك في إسرائيل تغيّر القادة وتبدّل التكتيك، ولم يتغيّر الهدف.. وهنا في منزلنا نمسك زمام المذياع، نعلن حالة الطوارئ، إذا حلّت «هنا لندن» وأطفالنا الآن هم الذين يكتوون بقصف لطفولتهم وعباراتهم المتناثرة بين ثنايا الأخبار.

المزيد من أعمال د. محمد مختار المفتي