«لأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأمريكان والظاهر والباطن؛ فقد انتهى بنا الأمر إلى ألَّا نخاف شيئًا.
– ولكن الباب مفتوح!
– في الخارج عم عبده، وهو كفيل برَدِّ أي اعتداء.»
قبل عامٍ واحد من النكسة، وبينما الكلُّ يُردِّد الحديثَ عن التقدُّم العظيم الذي يعيشه المجتمع المصري في الخمسينيات والستينيات، خرج «نجيب محفوظ» بالحقيقة الكاشفة التي صفَعت وجوهَ الأبواق الكاذبة؛ ليؤكِّد على حالة الضياع والتمزُّق التي يُعانيها الشارع المصري، وأن مجتمعًا كهذا مُقبِل على كارثة لا مَحالة. قدَّم «محفوظ» ثرثرتَه التي حوَت الكثيرَ من الرمزيات؛ فكل جملة فيها حقيقة مؤكَّدة، وخلف كلِّ هَزْل جِد، وخلف كلِّ عَبَث فلسفةٌ مُحكَمة، ورؤيةٌ صائبة؛ ففي عوَّامة على شاطئ النيل اجتمعت مجموعةٌ من الأشخاص من شرائحَ مختلفةٍ من المجتمع المصري، كلٌّ منهم له عالَمه الذي هرب منه؛ ليُمارِسوا في العوَّامة حياةَ اللاشيء، الخاليةَ من المعنى، ولكن وراء اللاشيء تجد المعنى الحقيقيَّ للمرحلة وللحياة. روايةٌ مُكثَّفة تَسبر أغوارَ الحياة، لتكشف لنا عن المعنى الحقيقي للوجود.
صدرت هذه الرواية عام 1966م، وتُعد من أهم أعمال نجيب محفوظ التي تنتمي إلى مرحلة "العبثية" أو الروايات الفلسفية الرمزية. تدور معظم أحداث الرواية داخل عوامة على نهر النيل، يجتمع فيها بانتظام مجموعة من الشخصيات التي تمثل شريحة من المثقفين والموظفين والفنانين المصريين في فترة الستينيات. يقضي هؤلاء ليلهم في "الثرثرة" التي لا طائل منها، وفي تدخين الحشيش، هربًا من واقعهم المحبط وشعورهم بالهزيمة وفقدان المعنى. تصبح العوامة عالمًا معزولاً عن الواقع، حيث تتلاشى القيم وتضيع المبادئ وتتفكك الشخصيات. تتصاعد الأحداث عندما يتسبب إهمالهم وعبثهم في حادث مأساوي، مما يجبرهم على مواجهة فراغهم الأخلاقي وعجزهم عن تحمل المسؤولية. تعتبر الرواية نقدًا اجتماعيًا وفكريًا حادًا لحالة الضياع التي أصابت بعض شرائح المجتمع المصري بعد ثورة 1952.