عن الكتاب
كان الفرنسيُّون في بعض أوقاتهم يتحدَّثون عنِ انتشار ثقافتهم في الأرض فيقول قائلهم: إنَّ لكلِّ مثقَّف وطنين أمَّا أحدهما فوطنه الَّذي وُلِدَ فيه ونشأ، وأمَّا الآخَر ففرنسا الَّتي تَثَقَّف فيها أوْ تَلَقَّى الثَّقافة عنْها. وكنَّا نسمع هذا الكلام، وكنَّا نرى فيه شيئًا مِنْ حقّ وكثيرًا مِنْ سرف.. ولكنَّ الَّذي أريد أنْ أقوله الآن هو الحقّ كلّ الحقّ، لا نصيب للسَّرَف فيه مِنْ قريب أوْ بعيد، فلكلّ مسلم وطنان لا يستطيع أحدٌ أن يَشُكَّ في ذلك شَكًّا قويًّا أوْ ضعيفًا، وطنه الَّذي نشأ فيه، وهذا الوطن المقدَّس الَّذي أنشأ أُمَّته وكَوَّنَ قلبه وعقله وذوقه وعواطفه جميعًا، هذا الوطن المقدَّس الَّذي هَدَاه إلى الهُدى، والَّذي يَسَّره للخير، والَّذي عَرَّفه نَفْسه، وجعله عضوًا صالحًا مصلحًا في هذا العالَم الذي يعيش فيه