عن الكتاب
مقدمة المترجم: هذا هو الجزء الأول من هذه الترجمة لكتاب الزوهار العبري الذي يقع في 23 مجلداً تم ترجمتها بالكامل ونضعها بين يدي القارئ العربي، ليس بغرض مغامرة أدبية ولا ادّعاءً روحيًا، بل فعل معرفة خالص، ومحاولة هادئة للاقتراب من نصٍّ شديد التعقيد، بالغ الرمزية، عميق الجذور في تاريخ الفكر الديني والميتافيزيقي الإنساني. لقد قمتُ بترجمة ثلاثةٍ وعشرين جزءًا من كتاب الزوهار العبري إلى العربية، لا بدافع الإيمان بمضامينه ولا الترويج لها، وإنما من منطلق البحث، والفهم، وفتح نافذة معرفية على أحد أكثر النصوص تأثيرًا وغموضًا في التراث اليهودي الصوفي. إن القارئ العربي اعتاد – بحكم التاريخ والثقافة – أن يتعامل مع النصوص الدينية الأخرى عبر وسطاء: شروح، ردود، اقتباسات مجتزأة، أو أحكام جاهزة. أما النصوص التأسيسية ذاتها، وخصوصًا تلك التي تنتمي إلى العوالم الباطنية والصوفية، فقلّما وصلت إليه بلغته، وبقلّما قُدِّمت دون تشويه أو تحريض أو تقديس أعمى. من هنا جاءت هذه الترجمة: محاولة للاقتراب من النص كما هو، بلغته الرمزية، بتعقيداته، وتناقضاته أحيانًا، وعمقه الفلسفي، دون وصاية فكرية على القارئ. الزوهار، الذي يعني اسمه «الضياء» أو «الإشراق»، يُعد النص المركزي في القبّالة اليهودية، وهو ليس كتابًا بالمعنى التقليدي، بل عالَمًا نصّيًا متشعبًا: تفسير باطني للتوراة، وسردٌ رمزي، وحوار روحي، وتأمل ميتافيزيقي في الإله والخلق والإنسان والزمن. نُسب تقليديًا إلى الحاخام شمعون بن يوحاي في القرن الثاني الميلادي، لكن الدراسات الحديثة ترجّح تدوينه في إسبانيا في القرن الثالث عشر، بلغة آرامية مفعمة بالرموز، تتداخل فيها الأسطورة بالفلسفة، والشعر بالتأويل. جوهر الزوهار لا يكمن في أحكامه أو قصصه، بل في رؤيته للعالم: رؤية ترى الوجود شبكة من التجليات الإلهية، وتتعامل مع الكون بوصفه مسرحًا لعلاقة دقيقة بين الخفاء والظهور، بين النور والانكسار، بين الإنسان ومسؤوليته الكونية. وهي أفكار، مهما اختلفنا معها عقديًا، تظل جزءًا من التاريخ العميق للأسئلة التي طرحها الإنسان عن الله، والمعنى، والشر، والمصير. هذه الترجمة لا تطلب من القارئ العربي قبول الزوهار، أو رفضه، وإنما قراءته بعين الباحث، وبعقلٍ مفتوح، وبحسٍّ نقدي واعٍ. إن المعرفة لا تُهدد الإيمان، بل تفضح الجهل؛ والاطلاع لا يُضعف الهوية، بل يمنحها ثقة أعمق بنفسها. ولعل أعظم ما يمكن أن يقدمه هذا العمل هو كسر الحواجز النفسية والفكرية بين “نحن” و“النص الآخر”، واستبدال الأحكام المسبقة بسؤالٍ صادق: ماذا يقول هذا النص؟ ولماذا كُتب؟ وكيف أثّر في من جاء بعده؟ بهذا المعنى، تُقدَّم هذه الترجمة بوصفها جسرًا معرفيًا، لا منبرًا دعويًا، وكمحاولة لفهم الإنسان في تجلياته الروحية المختلفة، لا لتصنيفه أو إدانته. وما يبقى في النهاية ليس قداسة النص ولا خطورته، بل قدرته على إثارة السؤال… والسؤال وحده هو بداية كل معرفة حقيقية. محيي الدين إبراهيم القاهرة في 16 ديسمبر 2025