كانَ «محمد فريد أبو حديد» صاحِبَ مَنهَجٍ مُختلِفٍ ومُميَّزٍ فِي دِراساتِهِ ومُؤلَّفاتِهِ فِي حَقلِ التَّارِيخ؛ حَيثُ اهْتمَّ بمُناقَشةِ الأَحْداثِ التَّارِيخِيةِ وعَرْضِها مِن خِلالِ عِدةِ وِجْهاتِ نَظرٍ دُونَ الاكْتِفاءِ بالسَّردِ والحَكْي، وقَدِ الْتَزمَ بِهَذا الأَمرِ فِي دِراستِهِ لشَخصِيةِ «صلاح الدين الأيوبي»، فأَوردَ بحِيادٍ مَا رَواهُ عَنهُ العَربُ والإِفرِنج، ولَمْ يُغرِقِ القَارئَ فِي تَفاصِيلَ تَارِيخيةٍ مُرهِقةٍ وغَيرِ مُجدِيةٍ ولا تهمُّ إلا البَاحِثَ المُتخصِّصَ. يَبدأُ الكِتابُ بسَردِ مَا كانَ مُنذُ ظُهورِ دَعوةِ الإِسلامِ وانتِشارِها وقِيامِ دَولةِ المُسلِمِين، ثُم سَردِ تاريخِ الحَملاتِ الصَّليبِيةِ الاستِعمارِيةِ المُتتالِيةِ التي استَطاعَتْ أَنْ تَجدَ لهَا مَوطئَ قَدَمٍ في بِلادِ الشَّامِ فِي غَفلةٍ مِنَ العَربِ والمُسلِمِين، ليَجيءَ القَائدُ الورِعُ المُتواضِعُ صلاح الدين فيُغيِّرَ التَّارِيخَ ويُعيدَ القُدسَ للعَربِ مِن جَدِيد.
صدر هذا الكتاب عام 1927م، وهو يتناول سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي والظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بعصره بمنهجية تحليلية تبتعد عن السرد القصصي المجرد. يعتمد العمل على الموازنة الدقيقة بين الروايات العربية والمصادر الإفرنجية لضمان الحيادية، حيث يبدأ باستعراض مقدمات الحروب الصليبية وتأسيس ممالك الفرنجة في الشام، مروراً بحالة الضعف التي أصابت العالم الإسلامي، وصولاً إلى ظهور صلاح الدين وجهوده المحورية في توحيد الجبهة واسترداد بيت المقدس، ليقدم بذلك وثيقة تاريخية رصينة مصاغة بأسلوب أدبي سلس يجمع بين المتعة والفائدة.