عن الكتاب
تاريخ العنف الدموي في العراق تأليف : باقر ياسين الطبعة الأولى : 2001 كتاب تاريخ العنف الدموي في العراق لكاتبه باقر ياسين ، وصف الكاتب كتابه بأنه إشكالي ، ربما لأنه مثلي يتوقع الاتهامات التي قد تنهال عليه لأنه أشار مباشرة الى الخلل ، بلا أي تجميل للحقائق التاريخية ، وأي عاقل يعرف أن الهدف من الكتاب الإصلاح أولا وأخيرا ، فالطبيب لابد أن يكشف موقع العلة ليفكر بالدواء الناجع ، الغرور والغطرسة لن تحل معضلة ، وانكار الحقائق هو جزء من العلة العراقية! استعرض الكاتب في دراسة واضحة الجهد تاريخ هذا العنف المرعب في العراق من فجر السلالات 3000 ق. م. ثم تدرج في الحقب التاريخية ، وصولا الى العصر الحاضر لما بعد الاحتلال الامريكي للعراق 2003، وقسم كتابه على أحد عشر فصلا . فتناول كيف ان تاريخ بلاد الرافدين عريق بالتصادم الدموي وشرح الصراعات التي كانت بين الممالك من كيش ولكش واوما واكاد وبابل وماري والآشوريين حتى يصل السبي البابلي لليهود 598 ق. م . فلم تكن تلك الصراعات مجرد حروب وخلافات وتنازع على السلطة فقط ، انما اتسمت بطابع القسوة والوحشية من قتل وتدمير وسبي وخراب وغدر وخيانة ومن اقرب الناس ، ليقتل الاخ أخاه أو أباه بصور متكررة غريبة ، لتسقط تلك المدن ورثي شاعر سومري مدينة لكش لما أصابها من خراب على يد لوكال زاكيري الملك السومري المعروف بالطغيان والظلم ص 30: واحسرتاه على ما اصاب لكش وكنوزها ما أشد ما يعاني الاطفال من بؤس اي مدينتي متي تستبدلين بوحشتك أنسا. وتعرض الباحث لمجموعة العقوبات الصارمة التي تضمنها التشريع الآشوري من قطع الاذن او ثقبها أو قطع الشفة السفلى او قطع الاصابع والخصي وتشويه الوجه بصب الاسفلت الحار عليه ، وتلك العقوبات انعكاس لمنهجية العنف ، حيث كانوا يقطعون رؤوس الاسرى من الرجال ويعلقونها على اسوار المدينة ، ويبدو أن قضية قطع الرؤوس عتيقة ومترسخة في الثقافة العراقية ، فهي متواصلة على مدى التاريخ العراقي ، بل ان الملك آشور بانيبال عندما احتل مدينة بابل وحاصرها وبعد انتحار اخيه واحراقه لبابل قام بانيبال بنقل عظام ملوك العيلاميين الى بلاد آشور ، فلم تسلم عظام الموتى على حالها ص 45 ، وتواصل كذلك نبش القبور بالعصور اللاحقة .. ويذكرنا الباحث هنا لما حدث لبغداد العباسية عندما طوق المأمون المدينة وضربها بالمنجنيق وأقام الحرائق فيها للقضاء على أخيه المأمون في صراع مرير ، وهنا لابد من الاشارة لما فعله المأمون من تطبيق دموي لفرض عقيدة واحدة ليفرض نظرية خلق القرآن على الجميع ، فمن رفض الفكرة كان يتم اعتقاله وتعذيبه حتى وقعت الفتن الكثيرة ، وأما الملك نابونيد الذي تبناه الملك لاباشئ مردوك قام بالغدر بمن تبناه واحتضنه ليكون اخر ملك يحكم بابل قبل سقوطها تحت سيطرة الحكم الفارسي . بل ان الملوك كانوا يتباهون باقامة المذابح فالملك تجلات بلاصر الثالث اعاد بقبضته الحديدة الهدوء للمدن وزحف على منطقة أوراتو ليقول متفاخرا : حاصرت ساردوري الاوراتي في توشيا عاصمته وعملت مذبحة أمام أبواب المدينة. ص 43 وعندما احتلت الامبراطوية الفارسية بلاد الرافدين فرض الامبراطور داريوس الاول أمورا غريبة في الجباية ، منها أن أوجب على ولاية بابل تقديم 5000 خصي ، اضافة الى المال والثمار والخيول والمواشي . ص 61 وهكذا كان اخضاع بابل كل عام لعملية خصي لشبابها وما تركته من نتائج هذا العنف الجسدي والنفسي من احساس بالمرارة والظلم ظل يتراكم على مدى العصور ، أما المنذر ماء السماء ملك الحيرة قدم 400 راهبة نصرانية ذبيحة للآلهة هذا حدث قبل اعتناقه النصرانية ص 66. وكان من عادته أن يقتل ندماءه في الشراب وعندما يستفيق يبكي عليهم ، ويأمر بتقديم القرابين والنذور لقبورهم! الى غيرها من الاحداث الدامية . قبل الفتح الاسلامي للعراق كانت الصراعات الدموية تفتك بالبلاد ، فحصل ما يشبه بالمذبحة داخل البلاط الساساني في المدائن ، ثار الفرس على كسرى ، فقتله ابنه شيرويه كما قتل اخوته الذكور السبعة كي لا ينافسه احد على العرش ، ثم مات شيرويه بن كسرى ، فملك بعده ولده الطفل ابن سبع سنوات الذي قتله احد قواد الفرس بعدما سحلوه وملكوا بوران ابنة كسرى ، كل هذا العنف الدموي يتواصل على ارض العراق ص 74. يقول باقر ياسين "التشبث بنظرية الحق المكتسب هي أحد الأسباب وراء كل الكوارث التي تعرض لها العراق منذ فجر السلالات الى اليوم". ويواصل الكاتب بحثه الى الفتوحات الاسلامية ووصولها للعراق ، حيث مناخ العنف والفتن ونزوع القبائل نحو التصعيد واستخدام القوة وسفك الدماء فمن معركة القادسية مرورا بمعركة الجمل الى استشهاد الامام الحسين "ع" الى الانتقام الدموي في حركة المختار بين عبيد الله الثقفي وحملة تصدير الرؤوس الادمية ، وتنقلها من مدينة لأخرى ، ثم الساطور الدموي على يد الحجاج بن يوسف الثقفي ، ليعلق الباحث كأن العنف والقوة او التهديد بهمها مغناطيسية القدرية القهرية التي ينجذب اليها الحاكم في العراق ، برغبة عفوية في تعامله مع القضايا التي تواجهه ، ويحاول عبد الرحمن ابن الاشعث ان يقوم بثورة ذات طابع دموي تصفوي، وقضى عليها الحجاج في معركة عرفت بدير الجماجم ، وقتل قائدها وسحق الاخرين ، رغم انه كانت هناك فرصة للتفاوض عندما وافق عبد الملك بن مروان على عزل الحجاج وعرض على الاشعث أي بلد ليكون أميرا عليه ، وتكون إمرة باقي العراق الى محمد ابن مروان ، لكن القوم رفضوا العرض ، وتمسكوا بعنادهم فكانت الابادة العنيفة. ص 104 و105. ويبدو ان العراقيين فعلا لا يجيدون فن التفاوض والسياسة الواقعية ، لأنهم يعيدون الكرة دائما ، فلا يجلبون الا الدمار ، بتشبثهم بنظرية الحق المكتسب التي تؤمن بها كل الفصائل العراقية على مدى التاريخ !