عن الكتاب
كان ذلك وقت الضحى في أحد أيام الإجازة الأسبوعية. جلس معها في الشرفة الساحلية. الريح متوسطة القوة. صوت تكسر أمواج البحر يخترق الآذان براحة تدغدغ النفس. تطلّع إليها بحب شديد. كان مَن في البيت -غيرهما- إمّا نائمًا ليستمتع في يوم الإجازة بما فاته من النوم طيلة الأسبوع، أو ذهب إلى البحر للشمس والنزهة والسباحة، أو ذهب إلى البقالة القريبة. صبّ لها فنجانًا من الشاي. حدّثته عن أشياء كثيرة. مشكلاتها في التربية. ذكرياتها الجميلة الماضية مع زوجها. معاناتها وتطلّعاتها. كانت وحيدة دائمًا. لم تعرف أمها وهي صغيرة. لم تسعد بالأمان، أو بقرب والدها الدائم السفر. لم يكن لها عم، ولا خال، أو أخ، أو أخت. ولكنها تربّت مع أبناء خالها من الرضاعة. كانت -دائمًا- فردًا من المجموعة، ولكنها لا تنتمي بالكامل إليها. لقد كان انتماء الضرورة، وقسوة الحياة. عندما تزوّجت لم تنتمِ أيضًا إلى أهل زوجها، لأنها كانت من بيئة لم تر الحضارة، فوفدت على عائلة عريقة التمدن. كان الأكل والكلام والثياب والسلوك والسكن قصصًا أسطورية لم تخطر يومًا على بالها. فبهتت في البداية، ثم تحدّت إحباطها وجهلها زمنًا، ثم عرفت كيف تصبح سيدة الدار بلا منازع. لم تسعد بالانتماء والإحساس بالمجموعة وعطفها إلاّ عندما أنجبت الأبناء والبنات. كانوا هم فريقها. هم سعادتها. هم عشيرتها. هم كيانها المتماسك بهم، والمذاب فيهم. ولكن الأبناء والبنات يكبرون. يتزوجون. ينشغلون. يغادرون. فتعود الوحدة، ويعود الانفراد. تتباعد المسافات. تطول حبال العشيرة أميالاً. تبتعد الأواصر. ويبقى الدعاء عن بعد. والكلام من بعد. والسلام بلا لمس وبلا حرارة الأبدان. كيف تُعلّم الصبر شخصًا قضى حياته كلها صابرًا؟ قالت بدهشة: انظر.. إن أولادنا يعلموننا الصبر، وتقلبات الزمن! فاحمرّ وجهه من الخجل. كيف ينسى ويخطئ الصغار؟ كيف يدّعي العلم والمعرفة مَن لم يتعلّم بعد إلاّ أبجدية الحياة؟