عن الكتاب
يجد العربي نفسه في نهايات القرن العشرين في وضع عجيب، فهو يكاد يطرح الأسئلة نفسها التي طرحها على نفسه في بدايات هذا القرن! وسواء أدار السؤال حول الحرية أو حول الخبز فلا بد أن يذكر الغرب ومصالح الغرب وتدخله. والأمر هو هو في العشرينات كما في التسعينات! ولكن صياغة السؤال كان تختلف، وليس هذا الاختلاف ثانوياً، بل لعله أحياناً بيت القصيد لأن صيغة معينة للسؤال تستدعي أجوبة معينة وتستبعد أخرى، وتأمل معي السؤالين الشهرين التاليين: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ إن السؤال الأول يستدعي فكرة اللحاق بالغير (ويشي بأفضلية الغير لأنه سابق)، أما السؤال الثاني فهو بالعكس يحدد المسلمين كذات والغير كموضوع (وفي الخلفية يتم تصوير ذلك الغير كخاسر). غير أن العقود التي مرت على المنطقة جعلت الأسئلة كلها تكاد تترمز حول مسألة اللحاق بالغرب المتقدم ولذلك فمن المبرر أن يطلق على الأجوبة كلها -تقريباً- وصمة: الأجوبة التغريبية، وأن ينشأ بمقابلها "الجواب التأصيلي": ومنطلق مشروعية هذا الجواب هو نفسه منطلق لا مشروعية الجواب التغريبي أي: موقع الذات من المسألة. السؤال التعريبي يغيب الذات والتأصيلي ينطلق منا. ويقصد بالـ"تغريبي" هنا كل الحداثيين والإسلاميين لأن كلهيما يريد أن يقضي على الذات التقليدية لصالح مشروع تخيلي هو "حتة من أوروبا" -بتعبير الشاعر الشعبي المصري- والفرق الوحيد بين شقي المشروع التغريبي هو أن الإسلاميين يريدونها "ذاتاً أوروبية مسلمة"!