آداب

موطأ الامام المهدي

سنة النشر
1905

عن الكتاب

** لماذا یفقد الشعر الحدیث بوصلته عند کعبة القریض؟ ** د. نضیر الخزرجی تتشابه "النغمة" مع "الکلمة" من حیث التفعیلة فکلاهما "فعلة"، فتلک حروف صوتیة وهذه أوتار نغمیة، والإثنتان یقع سهامهما على المسامع، وتظهر آثارهما على تقاسیم وجه الإنسان وردود فعله بما تفرزه الخلجات المتفاعلة على شغاف القلب والمتناغمة مع مجسات الروح، لکن المتلقی یطرب للنغمة بوصفها إیقاعات متناسقة المدیات هدفها الاستحواذ على مسامعه ومشاعره وتوجیهها لمراد النغمات (الموسیقى) فیقال هذه موسیقى هادئة وتلک صاخبة، وأخذت الموسیقى مسمیات مختلفة تُعرف بها، وتدخل الکلمة فی النغمة فتنتج الأغنیة أو النشید الوطنی، وما إلى ذلک. ![alt text] **ولکن هل بالإمکان أن تصبح الکلمة ذات نغمة وإیقاع من دون استعمال لأدوات العزف والموسیقى؟** الجواب وببساطة نلحظه فی الشعر العربی العمودی وفی النثر المقفى وفی العبارات المسجَّعة، فهذا النوع من الکلمات المنتظمة شعراً أو نثراً یملک من الإیقاعات ما یجعلها حسنة الوقع على المسامع والقلوب من غیر الحاجة إلى استعمال آلات العزف لاستحداث الإیقاع المطلوب وتهییج النفس أو تهدئتها، وهذه واحدة من ممیزات الشعر العربی بل من أکثرها قیمة، وتنبع قیمتها من کون الإیقاع هو القبان الذی توزن به الکلمات المکونة للبیت الشعری، وهو بمثابة القالب والنموذج، وبتعبیر آخر "الوزن الشعری". وبالطبع لا یعنی أن الشعراء جمیعهم یعرفون الأوزان الشعریة وقواعدها، بل هنا تظهر أهمیة الشعر العربی، فمعظم الشعراء المجیدین ینظمون الشعر دون أن یعرفوا وزنه أو بحره، وهم ینظمون على السلیقة، وهذا الأمر کان قائما فی العصر الجاهلی وفی بدایات عصر الإسلام وإلى یومنا هذا، لکن المنعطف الأدبی حصل على ید الخلیل الفراهیدی (100- 170هـ) الذی ابتدع الأوزان بعد أن قام بتقطیع الشعر، فنُسب إلیه علم الأوزان والبحور، ولم تکن المهمة بالسهلة وربما مروره على سوق الصفارین والنحاسین ألهمه فکرة تقطیع الشعر وتأصیل أوزانه وبحوره، فکانت طرقات النحاسین ترنّ فی أذنیه فیستعذب صدى الحدید الضارب على صفحة النحاس، وهو ما جعله یخلو بنفسه فی داره فی البصرة الفیحاء یقطّع الأشعار ویستنطقها بصوت عال وهو العالم الضلیع بعلوم عدة حتى ظن نجله أن أباه أصابه المسِّ والجنون، ولکنه جنون من نوع آخر تفتق عنه علم الأوزان، وحتى لا تذهب الظنون بنجله بعیداً خاطبه الوالد شعراً من بحر الکامل وکان یرید أن یثنیه عن إعلان فضیحة جنون الأب: لو کنت تعلم ما أقول عذرتنی ** * أو کنت تعلم ما تقول عذلتکا لکن جهلت مقالتی فعذلتنی *** وعلمت أنک جاهل فعذرتکا وفی تقدیری أن الخلیل الفراهیدی الذی استعذبت مسامعه طرقات النحاس استوحى فکرة تقطیع الشعر من مدرسة الإمام علی(ع) (23ق هـ - 40هـ) الذی کان أول من ترجم دقات الناقوس وإیقاعاته، فکان أن مرّ ومعه الصحابی الجلیل جابر بن عبد الله الأنصاری الخزرجی (16ق هـ - 78هـ) على راهب وهو یضرب الناقوس، فقال علیه السلام لجابر بن عبد الله: أتدری ما یقول هذا الناقوس؟ فقال الأنصاری: الله ورسوله أعلم! قال علیه السلام هو یقول (من المتدارک): حقّاً حقّاً حقّاً حقّا *** صدْقاً صدْقاً صدْقاً صدْقا إنَّ الدنیا قدْ غرَّتْنا *** واستهوتْنا واستلهتنا لسنا ندری ما قدّمنا *** إلاّ أنّا قد فرّطنا یا ابن الدنیا مهلاً مهلا *** زنْ ما یأتی وزناً وزنا **وللأوزان صلة** **ولکن هل توقفت الأوزان الشعریة على ما اکتشفه االفراهیدی قبل أربعة عشر قرناً من الزمان؟** جانب من الإجابة نجدها فی کتاب "الأوزان الشعریة العروض والقافیة" للفقیه الأدیب الشیخ محمد صادق الکرباسی الصادر نهایة عام 2011م فی 719 صفحة من القطع الوزیری عن مکتبة دار علوم القرآن بکربلاء المقدسة (العراق) وبیت العلم للنابهین ببیروت (لبنان) قدم له وعلق علیه الأدیب الجزائری الشاعر عبد العزیز بن مختار شبِّین بعد أن استفرغ المؤلف جهده فی بیان علم العروض والقافیة بوصفهما شرطان لازمان للشعر العمودی وبدونهما لا یُسمى شعراً وإنما نثرا مقفى أو کلاماً جاریاً، فالعروض علم یتناول بیان وزن الشعر ومیزانه وهو بمثابة القالب الذی فیه یتشکّل الشیء ویتمثله فلا یحید عن ملامحه ومعالمه ومن خلاله یتضح السلیم من السقیم وبه توزن کلمات البیت، وهذا العلم هو بحد ذاته بحر عمیق یتناوله المؤلف فی فصل مستقل أخذ من الکتاب 128 صفحة تناول فیه وبشکل تفصیلی علم العروض وقواعده، فما یفرق الشعر عن النثر أنه یتصف بالوزن والقافیة وظهور المعنى وإثارة الأحاسیس، فالشعر الذی لا یدغدغ المشاعر والأحاسیس وإن توفرت فیه شروط القواعد العروضیة فإنه نظم وهو متأخر رتبة عن الشعر، فکل شعر نظم ولیس کل نظم شعراً. ولأنَّ العروض علمٌ واسع وبحر زخّار، فإن تفریعاته کثیرة تبدأ من قواعد الکتابة العروضیة وتنتهی بالدوائر العروضیة وما بینهما البناء الشعری، ترکیبة التفعیلة، الضرورات الشعریة، المصطلحات، التقاطیع الصوتیة، مصطلحات أخرى، المعاقبة والمراقبة، قاعدة الخرم ومتعلقاته، أقسام الزحاف، أنواع العلة، والتفاعیل وفروعاتها الجائزة. وأهم ما یتصف به الفصل الأول والفصلان الثانی والثالث أن العروضی الکرباسی بقدر ما استفاض فی بیان العروض والقافیة وشروحاتهما فإنه أحکم وضع الأساس لهذا العلم الغزیر وأقام علیه بنیانه فجاءت التفریعات مُحکمة وکتاباً مفتوحاً لکل أدیب وشاعر، ومنهاجاً دراسیاً لکل جامعی وطالب علم، وقد تصفَّح الأدیب الجزائری والضلیع فی البحور الخلیلیة الدکتور عبد العزیز شبِّین أوراق مؤلفات الکرباسی الخاصة بالشعر وفنونه واکتشف أنه: (کلّما قلَّبت ورقة أردفت أخرى تُلهمنی بجدید لم أعهده فی کتب شتَّى، منهجاً، وأـسلوباً، وشمولیة وعمقاً، وأصالةً وتجدیداً، فدرس فیه عروض الشعر دراسة تنظیریة لا أحسب لها نظیراً فیما سبق من الدراسات)، وقد جمع الکرباسی الأوزان الخلیلیة الخمسة عشر بحراً والسادس عشر (المتدارک) الذی أضافه الأخفش سعید بن مسعدة البصری (ت 215هـ) فی بیتین من الشعر من بحر الطویل الثانی: طویلٌ یَمُدُّ البسطَ بالوفر کاملٌ *** ویهزجُ فی رجزٍ ویُرْملُ مُسرعاً وسَرِّحْ خفیفاً ضارعاً واقتضب لنا *** من اجتُثَّ مِنْ قُرْبٍ لتدرکَ مطمعاً والبیتان ینطویان على البحور التالیة: الطویل، المدید، البسیط، الوافر، الکامل، الهزج، الرجز، الرمل، السریع، المنسرح، الخفیف، المضارع، المقتضب، المجتثّ، المتقارب، والمتدارک، إضافة إلى بحور أخرى مستحدثة هی: المستطیل والممتد والمطرّد والمنسرد والمتئد، وکلها جاءت فی خمسة دوائر عروضیة لها قدرة ضبط موسیقى البیت العربی ضبطاً هندسیاً دائریاً على أساس التبدیل الدورانی المتحرک خلاف حرکة عقرب الساعة، ضمّت دوائر: المختلف، المتفق، المؤتلف، المجتلب، ودائرة المشتبه، وعلیها توزعت البحور. **مقاییس وإیقاعات** إنَّ الحدیث عن علم العروض هو حدیث مطول ومستوعب عن الوزن الشعری أو البحر، فالکلمات المنسلخة الوزن هی خارجة عن میزان الشعر، فکما یوزن الذهب بأجزاء المثقال یوزن البیت الشعری بالحرکة، ومثله الزمن الموسیقی فی النغمة الواحدة، لأن الشعر فی محصلته إنشاء وإنشاد، نغمة وإیقاع، ولکن ما یمیز الإیقاعَ الموسیقی أنَّ نغماته رُسِمَت أفقیا فی مدرجات عمودیة تبدأ من الیسار فی حین أن الإیقاع الشعری تضمنته تفعیلات دائریة من أیة حرکت بدأ الشاعر انتهى إلى بحر بعینه حسب تقطیعات التفعیلة. وإذا کان الفصل الثانی اختص بالأوزان أو البحور وأخذ من الکتاب أکثر من نصف صفحاته (163- 563)، فإن العروضی الکرباسی استحدث بحوراً کثیرة فاقت بحور الفراهیدی ضمّها فی کتاب مستقل أسماه "بحور العروض" ضمَّ 210 بحور، بید أن الذی بین أیدینا من شروحات واجتهادات عن البحور الخلیلیة وغیرها تعکس قیمة الشعر العربی وأحقیَّته بأن یکون دیوان العرب یحفظ تاریخهم بما فیه من صفحات یسر وعسر. وبالإمکان من خلال الغوص فی البحور اقتناص الکثیر من جواهر المعرفة والدرر والحکم والمواعظ، ومن ذلک أن بحر الطویل الذی بلغت حروفه 48 حرفاً من ثمانیة تفاعیل حظی بلقب أمیر البحور، وربما أطلقوا علیه حمار البحور لکثرة ترکیب العرب أشعارهم علیه فسمی من باب البلاغة الأدبیة "رکوبا"، ویکفی أنَّ ثلاثاً من قصائد المعلقات استقلت ظهر مرکبه، واحدة لامرئ القیس ابن حجر الکندی (130- 80 ق.هـ)، وثانیة لطرفة عمرو بن العبد الوائلی (ت ن 62ق.هـ)، وثالثة لزهیر بن أبی سلمى المزنی (ت 13ق.هـ)، وأشهرها قصیدة امرئ القیس: قفا نبکی من ذکرى حبیب ومنزل *** بسِقطِ اللِّوى بینَ الدَّخول فحَوْملِ وخیراً فعل الدکتور شبّین عندما أفرد وبشکل عام لکل بحر حکمة وموعظة من نظمه أو نظم المؤلف أو لغیرهما، ومن ذلک فی بحر الوافر قول الکرباسی فی تلمیذ أساء الأدب فی ساحة الأستاذ: وکم لقَّنته سرَّ التفانی *** فلمّا خاض تجربة جفانی وفی بحر المتدارک یحذرنا الشاعر شبِّین من الدهر وتقلباته: زهرةُ العمر تذوی حذار الغُرور *** أینَ مِن سالفِ الدَّهْرِ یا بنَ القُبور؟! ولا یتوقف المؤلف عند البحور الخلیلیة فیتنقل بین أروقة الأدب لبیان ألوان من الشعر وهی: السلسلة، الدُّوبیت، القُوما، الموشّحات، الزَّجل، الموالیا، الکان وکان، المزدوج، المُسمَّط، والحدیث (الحر)، ثم یحط قلمه ودواته عند کل لون من هذه الألوان، وعلى هذا المنوال جرى قلم المقدم والمعلق، بید أنه مکث طویلاً فی تناول الشعر الحر، فالکرباسی انتقد قول الأدیبة العراقیة الراحلة نازک صادق الملائکة (1342- 1428هـ) العازفة عن استعمال أسلوب الخلیل بدعوى عجز المدرسة الخلیلیة عن إظهار المعنى وإیجازه وسهولته کما هو الحال فی الشعر الحدیث، وتساءل: ماذا تقول الملائکة فی قول المتنبی أحمد بن الحسین (303- 354هـ) من البسیط: ما کلُّ ما یتمنَّى المرءُ یُدرکُهُ *** تجری الریاحُ بما لا تشتهی السُّفُنُ ومع هذا فإنه لا ینفی التزام الشعر الحدیث بأصل التفعیلات وإن تخلّص من القافیة والوزن، وتمسکه بالتقاطیع الموسیقیة والوحدة النغمیة وإن تحرر من قید الوزن والقافیة، لکن الدکتور شبِّین یزید من غرز خنجره النقدی فی خاصرة الشعر الحدیث أو الحر فهو عنده کالإبن الضال یخرجه من صبغته الشعریة ویعیده إلى خانة الکلام الحر: (لأنَّ الشعر ولیدُ الإلهام، موزون مقفّى، فیه حکمة وإیحاء، ولیس کما یدعونه بقصیدة النثر رموزاً مغلقة، وألفاظاً جوفاء، وإبهامات مبهمة .. لم یغذّه الإلهام فجاء أجوفَ یابساً، ولم یخِصْهُ البیان ولا الخیال فأتى بلیداً میتاً، خالیاً من الروح، فاقداً للذوق، وکل کلام جاء على هذه الصورة فهو لیس من الشعر فی شیء)، وکأن المعلق یحدثنا عن جدول کلمات متقاطعة قد نصرف فیه وقتاً طویلاً حتى نعرف المعنى والمراد من الکلام الذی شط عن الشعر الموزون وحاد. **جمالها فی خواتیمها** لاشک أن الأعمال بخواتیمها إن خیراً فخیرا وإن شراً فشراً، وخاتمة العمل هی المارکة المسجلة لصاحبه، به یُنادى وعلیه یجازى، ولا تخرج المعادلة الجمالیة والذوقیة ومنتهاها عن خاتمة البیت أو ما اشتهر فی الأوزان الشعریة بالقافیة أی الجزء الأخیر من عجز البیت، فبه یتحدد الإیقاع الشعری أو النغم، ومن دونها خرجت القصیدة عن دائرة الشعر أو النظم. والقافیة هی العنوان الذی استقل به الفصل الثالث والأخیر من "الأوزان الشعریة العروض والقافیة"، ویُلاحظ أنَّ به تفرّد عنوان الکتاب أیضا، لأن العروض والقافیة مثل سکة الشعر علیها تسیر عربة الشعراء. وإذا کان للقافیة وعموم الشعر عیوبها ذکرها المؤلف بالتفصیل فإن للشعر محاسنه وإبداعاته وذوقیاته، ختم به الفصل بإیراد أربعة عشر ذوقاً شعریاً یزید من عذوبة الشعر ویظهر تمکّن الشاعر من الإبداع وهی: لزوم ما لا یلزم، التخمیس، التشطیر، التصدیر، الإجازة، الإقتباس، التضمین، المواربة، التشریع، الطرد والعکس، التطریز، الجناس، التفویف، والتسمیط. ومن أمثلة الذوقیات الشعریة دیوان "التفسیر المنظوم" للمؤلف نفسه (مخطوط) وکل قصائده اقتباسات وتضمینات وتشطیرات لآیات القرآن الکریم. ومن أمثلة المحسنات، الجناس فی قول الشاعر من الوافر الأول: طرقتُ البابَ حتى کلَّ متنی *** فلمّا کلَّمتنی کلَّمتنی وقالت لی أیاسماعیلَ صبراً *** فقلتُ لها أیاسْما عیلَ صبری فکلّ متنی الأولى فی البیت الأول أی تعب متنی والثانیة کأختها والثالثة بمعنى حدَّثتنی، وإسماعیل فی صدر البیت الثانی اسم علم للذکور وفی العجز "اسما" بمعنى أسماء وهو إسم علم للإناث، وعیل العجز والنقص. فی حقیقة الأمر أرى ومن خلال قراءتی المتأنیة لکتاب "الأوزان الشعریة العروض والقافیة" أن الأدیب العروضی الدکتور محمد صادق الکرباسی لم تفتر عزیمته البحثیة عند تناول فصول الکتاب على ما فیها من شروحات رئیسة وتفریعات دقیقة، ووصل خط النهایة کما بدأ به أولاً، کما أنَّ قلم المعلق لم یتوانَ عن ترصیع المتن بالتعلیقات المستفیضة المتضمنة لإبداء الرأی والشواهد الشعریة، مما یعطی إنطباعاً خاصاً أن الکتاب هو جوهرة أدبیة علمیة متسقة تنم عن عقلیة عروضیة معززة بمعرفة موسوعیة صلبة العود، ومتابعة حثیثة لدى المعلق مؤزرة بسلیقة شعریة طیعة القود، لها الجاهزیة على العوم فی أبحرها والولوج فی لجّاتها، وجوهرة بمقام "الأوزان الشعریة" لابد أن تجد مکانها المرموق فی المحافل الأدبیة والشعریة وبخاصة فی الجامعات والأقسام الأدبیة، ناهیک عن حاجة الأدباء والشعراء لمثل هذا الإبداع الأدبی الذی به یزینون أبیاتهم ویرفعونها على قواعد سلیمة. الرأی الآخر للدراسات - لندن