عن الكتاب
يتناول المقال تاريخ لبنان منذ أقدم العصور حتى "اتفاق الطائف" العام 1989 وعودة السلام إلى ربوعه. يبين المقال دور الفينيقيين وانجازاتهم الحضارية في الشرق الأدنى القديم؛ من النواحي الدينية والفكرية والسياسية والجيوسياسية والتجارية والفنون... ويعرض إلى غزوات الشعوب والدول المجاورة للبنان حتى العصور الحديثة؛ من المصريين والآشوريين والبابليين والفرس والإغريق والرومان والبيزنطيين والمسلمين والصليبيين والمماليك والعثمانيين. ولا يهمل المقال التلاقي الحضاري بين الشعوب الغازية والشعوب المحتلة، وما خلّفه الغزاة من متروكات وآثار وانجازات في لبنان. وتحت الحكم العثماني، استمر الاقطاع اللبناني يتمتع باستقلاله الذاتي وفق مبدأين اثنين: الحفاظ على الأمن ودفع الجزية إلى الخزانة العثمانية. لكن الدولة العثمانية والدولة الكبرى زرعت خلال القرن التاسع عشر بذور الفتنة الطائفية في جبل لبنان، ما أدى إلى حروب اجتماعية في الأعوام 1841 و1860، ووضع الدولة الكبرى "متصرفية جبل لبنان" تحت وصايتها العام 1861. ومن ناحية أخرى، شهدت المدن اللبنانية، وبيروت خاصة، ازدهارًا عبر تصدير الحرير إلى الخارج، كما بالصناعات الحرفية، وتحوّلها إلى مراكز للإرساليات التبشيرية ومقرًا لأهم جامعيتن في المنطقة، فضلا عن المدارس الإرساليات الأجنبية والوطنية. فغلب التفرّنج والثقافة الغربية عليها. وخلال الحرب العالمية الأولى، شهد لبنان أسواء مجاعة في تاريخه، لكنه تجاوزها بعد الحرب، بتحوّله إلى كيان مستقل عن الدولة العثمانية، تحت الانتداب الفرنسي الذي لا تزال إنجازاته واضحة المعالم حتى اليوم؛ في الإدارة والبنى التحتية. صحيح أن إنشاء "دولة لبنان الكبير" تسبّب بامتعاض ورفض إسلاميين، إلا أنّ المسلمين سرعان ما انخرطوا في الكيان الجديد، وتوجوا ذلك بالميثاق الوطني العام 1943 الذي عزّز تعايشهم مع شركائهم المسيحيين. فاستمرت مفاعيل الميثاق تعايشًا مقبولًا حتى اندلاع حرب لبنان العام 1975، تحت مظلة نظام محاصصة طائفية و"ديمقراطية توافقية". إنّ اندلاع حرب لبنان كان بسبب نظامه الطائفي-السياسي، والتدخلات الخارجية في شوؤنه الداخلية، وموقع لبنان بين الأحلاف الإقليمية والناصرية والمقاومة الفلسطينية وإسرائيل وسورية، وأخيرًا وليس آخرّا دخول إيران على التوازنات الداخلية بخلق "حزب الله" العام 1982. إنّ ضغط الخارج على اللبنانيين، وانقساماتهم الطائفية، وعدم توصلهم إلى حلول بقدراتهم الذاتية، جعل الخارج يقف وراء "اتفاق الطائف" العام 1989 الذي أنهى الحرب ونقل لبنان إلى حالة السلم الأهلي، من دون أنْ يضع أسسا متينة لتعايش طويل الأمد.