عن الكتاب
حول هذا الكتاب حين يُنسب كتاب إلى عبد الله الحظرد، فنحن لا نتعامل مع نص عادي، بل مع فكرة “النص الملعون” التي زرعها H. P. Lovecraft في وجدان الأدب الحديث. “العزيف” في هذا السياق ليس كتابًا بقدر ما هو “أثر” .. شيء يُرى ولا يُقرأ، يُحَسّ ولا يُفهم مباشرة. وجود كتاب بلا كلمات، قائم على الصور فقط، يفتح بابًا لتأويل عميق جدًا: النص هنا لم يعد لغويًا… بل صار بصريًا-باطنيًا. الصورة تتحول إلى “لغة أقدم من اللغة”، لغة تسبق الحروف نفسها، أقرب إلى ما يسميه الصوفيون “الإشارة” لا “العبارة”. في هذا النوع من الكتب، هناك ثلاث طبقات محتملة للقراءة: أولًا: المستوى الرمزي الصور ليست عشوائية، بل تعمل كرموز Archetypes ، مثلما نجد في أعمال Carl Jung ، حيث تتحول الصورة إلى مفتاح للاوعي الجمعي. قد ترى عينًا، لكنها ليست عينًا… بل “رؤية”، “مراقبة”، أو حتى “حضور”. ثانيًا: المستوى الطقسي بعض المخطوطات المصورة لم تُصنع لتُقرأ بل لتُستخدم. أي أن ترتيب الصور قد يكون طقسًا في حد ذاته—كأن تقليب الصفحات هو فعل استدعاء، لا مجرد تصفح. ثالثًا: المستوى النفسي/الإسقاطي الكتاب لا يقول لك شيئًا محددًا… بل يجبرك أن ترى نفسك فيه. كل قارئ يخلق نصه الخاص. وهنا يتحول “العزيف” من كتاب إلى مرآة. الخطير في هذا النوع من الأعمال—إن جاز التعبير—أنه يُسقط السلطة من المؤلف إلى القارئ. لم يعد هناك معنى ثابت… بل هناك “احتمالات مفتوحة”، وهذا بحد ذاته تجربة مربكة، لأن العقل يبحث دائمًا عن يقين. إن هذا النوع من الكتب لا يُقرأ بقدر ما يُعاش. حين يُقال عن نص إنه “ملعون”، فالمسألة ليست في اللعنة ذاتها، بل في قدرته على زحزحة القارئ من يقينه. وهذا بالضبط ما أراده H. P. Lovecraft حين ابتكر فكرة Necronomicon ونسبها إلى عبد الله الحظرد—لم يكن الهدف كتابًا، بل “حالة”. الحالة التي تجعلك تقف أمام صفحات بلا كلمات، ومع ذلك تشعر أن هناك شيئًا يُقال… شيء يتسلل لا عبر العين فقط، بل عبر منطقة غامضة بين الإدراك والحدس. النص الملعون، يا صديقي، لا يخيف لأنه يحتوي على ظلام… بل لأنه يكشف أن الظلام كان فينا منذ البداية. هو نص لا يمنحك معرفة، بل يسحب منك وهم المعرفة. لا يشرح، بل يربك. لا يجيب، بل يفتح بابًا لا يمكن إغلاقه بسهولة. وهنا تكمن لذته وخطورته معًا… إنه يشبه لحظة صوفية مقلوبة: بدل أن تصعد إلى النور، تنزل إلى العمق. بدل أن ترى الحقيقة، ترى تعددها… حتى تفقد يقينك بها. ولهذا، فالكتب التي بلا كلمات ليست فارغة… بل ممتلئة أكثر مما يحتمله الكلام. سرّها الحقيقي أنها لا تقول لك: “اقرأني”… بل تهمس: “اكتشف ماذا فيك… حين تحاول أن تفهمني.”