عن الكتاب
مقدمة: إنني حين أقدّم هذا الكتاب للقارئ العربي، لا أقدّمه بوصفه نصًا عن بطاقاتٍ غامضة تُستخدم في التنجيم فحسب، بل أضعه بين يديه كـ مرآة للإنسانية في بحثها الأبدي عن المعنى . فمنذ فجر التاريخ، والإنسان يفتّش عن لغة سرّية تكشف له أسرار الكون: مرة في النجوم، مرة في الطقوس، ومرة في النصوص المقدسة. وفي التاروت، كما يقدّمه أليستر كراولي، نرى محاولة لصياغة هذه اللغة في صور ورموز حيّة. هذا الكتاب ليس عن "أوراق" بالمعنى المألوف، بل عن رحلة الروح . كل ورقة كبرى تمثل خطوة في طريق الإنسان: من الأحمق، رمز البداية المطلقة، إلى العالم، رمز الاكتمال والدورة الكونية. وكل بطاقة صغرى تعكس تفاصيل الحياة اليومية: الفرح والحزن، النصر والهزيمة، الحب والفقد. كأن التاروت كتاب وجودي مصوّر، يُلخّص تجارب الإنسان الكبرى في أربع مجموعات وأربع عناصر. أما قيمة هذا الكتاب فتتجاوز حدود السحر والتنجيم، لأنها تكشف لنا عن وحدة الرموز عبر الثقافات : الأبراج الفلكية، القبالة العبرية، الأساطير المصرية، الأعداد، الألوان، الطقوس. كلها تتقاطع في نسيج واحد. بهذا يصبح كتاب تحوت شهادة على أن الإنسان، مهما اختلفت حضاراته، يبحث دائمًا عن اللغة المشتركة التي تترجم أحلامه وهواجسه وحنينه إلى المجهول. ولعل ما يميز كراولي أنه لم يتعامل مع التاروت كتراث ميت، بل ككائن حيّ، صديق سحري، و"نص مفتوح" يمكن أن يتحدث إلى كل قارئ بلغته الخاصة. وهو بذلك يذكّرنا بأن الرموز لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُعاد قراءتها في ضوء كل عصر . وإذا كان الغرب قد أعاد قراءتها في ضوء الفلسفة الباطنية والعلوم الحديثة، فإن تقديمها إلى القارئ العربي اليوم يفتح بابًا آخر: باب اللقاء بين الوعي الشرقي والرمزية الغربية. إن جوهر هذا الكتاب إذن ليس في البطاقات وحدها، بل في السؤال الذي يطرحه علينا: هل نحن على استعداد أن نقرأ العالم لا كوقائع جامدة، بل كرموز تشير إلى ما وراءها؟ هل نستطيع أن نرى في الحياة اليومية إشارات كونية، وفي التفاصيل الصغيرة معاني أبدية؟