عن الكتاب
يعد الاهتمام بدراسة حق التعليم في القانون الدولي الإنساني والمعاهدات والمواثيق الدولية اتجاهاً حديثاً نسبياً في مجال أصول التربية، وكان موضوع الأصول التشريعية برمته من الموضوعات المهجورة إلى وقت قريب مقارنة بالأصول الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، بيد أن تفاقم الصراعات الدولية والاحتراب الأهلي، وتعاظم ظواهر الحرمان والنزوح واللجوء وغيرها من النتائج المترتبة عليها فرض على المتخصصين فيه توجيه قدرٍ وافرٍ من الاهتمام بهذا الموضوع، بعد أن كانت الأمية وفقر التعلم وما يرتبط بهما من ظواهر وما يؤدي إليهما من أسباب تتعلق بغياب تكافؤ الفرص هي الموضوع الأثير الذي يتطلب الخوض في قضية الحق في التعليم من الناحية التشريعية. ومنذ نشأة الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، كان الحق في التعليم أحد الحقوق الأساسية التي هدفت وثائقها المرجعية ووآلياتها وأنشطتها إلى إرسائها، انتصاراً للشعوب النامية حديثة الاستقلال، وللأقليات والفئات المضطهدة والمهمشة وعلى رأسها النساء والأطفال. وجاءت المرجعيات الأممية وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ثم العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وما تلى تلك المرجعيات من صكوك ومعاهدات شكلت في مجموعها قواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني .. لتؤكد جميعها على حق الإنسان في التعليم أنى (أينما وحيثما وكيفما) كان وكانت وضعيته وصفاته وخصائصه، وعلى استدامة ذلك الحق وعدم سقوطه حتى في حالات تعرض ذلك الإنسان للموت والفناء. وقد درج القائمون على دراسة وتدريس الموضوع في الجامعات والمعاهد عدة مدارج ونهج؛ فقد اهتم دارسوا القانون على الاهتمام بالأصول الفقهية والمصادر، علاوة على دراسة الصياغات وأساليب التقنين والاشتقاق والتدبيج والتبويب.. إلخ، بينما يهتم باحثو العلوم التنموية وعمال الإغاثة الدولية بالمدخل الحقوقي لتكريس أساليب ومنهجيات التنمية البشرية، ونهج التمكين ومشروعاته المتكاملة اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً، وأساليب التدخل الإنساني والإغاثي في الحالات الاستثنائية. أما على مستوى الدراسات التربوية فقد تركز اهتمام الباحثين بتأصيل ورصد النصوص المحققة لحق التعليم في العهود والمواثيق الدولية والإقليمية بل والعقدية والمذهبية، وجاء الاهتمام بتثقيف دارسي تلك الموضوعات تثقيفاً قانونياً من خلال البرامج والمقررات الأكاديمية باهتاً وخافتاً إلا ما ندر. وهذا الأخير هو الهدف الذي يسعى الكتاب إلى تحقيقه، وهو هدف يتعدى مجرد المعرفة والإلمام إلى مراحل التطبيق والتوظيف العضوي في البرامج والمشروعات الإنسانية، خاصة في حالات الطوارئ التعليمية التي اتسعت حتى صارت بمثابة الاعتياد وليس الاستثناء في منطقتنا العربية. ويسعى الكتاب إلى تحقيق هدف التثقيف القانوني بحق التعليم في المرجعيات الدولية والإنسانية من خلال التناول التحليلي والتطبيقي ما أمكن ذلك، وليس فقط من خلال رصد النصوص، إيماناً بأن إحقاق هذا الحق يواجه من الصعوبات ما يتجاوز مجال التعليم وفنياته البداجوجية إلى مجالات متشابكة سياسياً وقانونياً وأمنياً وثقافياً، وأن نهج التدخل التكاملي في حالات افتقاد ذلك الحق والحرمان منه يتطلب القدرة على توظيف ترسانة متنوعة من المعارف والمهارات قد لا توفرها القراءة السردية المعتادة. وجمهور الكتاب عريض ومتنوع يشمل الباحثين في مجالات وتخصصات: السياسات والتشريعات التربوية، والإدارة التعليمية للمؤسسات في حالات الطوارئ، وتصميم البرامج والمناهج المخصصة للمتضررين، وتدريب المعلمين والمشرفين العاملين في تلك المواقع.. وغيرهم من الفئات التي يتصل عملها بتلك الوضعيات الاستثنائية. ففي الفصل الأول يجري استعراض المصطلحات والمفاهيم الأساسية في مجال التشريع الدولي، من مفاهيم ومبادئ مرجعية تأسيسية، وأدوات تشريعية مثل الإعلانات، والاتفاقات، والمعاهدات، وآليات تنفيذية مثل المجالس الأممية والمفوضيات.. بينما يعض الفصل الثاني بإيجاز لمنظومة التشريع الدولي المتصلة بحقوق الإنسان عموماً، بداية من الشرعة الدولية بمكوناتها الثلاثة (الإعلان العالمي والعهدين الدوليين)، ومعاهدات القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني. وبشئ من التفصيل والتمثيل بالأمثلة التطبيقية، يعرض الفصل الثالث لحق التعليم في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، والصعوبات السياسية والاقتصادية التي تواجه إرساؤه وتطبيقه، خاصة في الدول والأقاليم النامية وفي مقدمتها المنطقة العربية. وبنفس مستوى التفصيل والتمثيل يعرض الفصل الرابع لحق التعليم في كل من معاهدات واتفاقيات القانون الدولي الإنساني، غير مقتصر على المواد المتصلة بالتعليم وحده، بل وبما يتصل به مباشرة أو بشكل غير مباشر من النصوص والقواعد القانونية. وأخيراً يعرض الفصل الخامس لحق التعليم في حالات الطوارئ والأزمات مع أمثلة تطبيقية من الصكوك والأدوات في الحالة العربية، كان المؤلف قد أعدها إبان عمله مديراً لإدارة التربية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (إلكسو). والله أسأل أن يضيف هذا الكتاب جديداً إلى المكتبة التربوية العربية، وأن يساعد ولو بقدرٍ يسير على إحقاق الحق في التعليم للمواطن العربي أنى كان.