عن الكتاب
مقدمة: منذ أن عرف الإنسان صوته الأول، كان هذا الصوت محمّلًا برغبةٍ لا تشبع: الرغبة في اقتحام الماوراء. لم يكن العقل في بداياته سوى آذانٍ منصتة إلى الهمس الخفي: أصوات الريح، ارتجاف الأشجار، عواء الذئاب، وصدى المجهول في أعماق الليل. تلك الأصوات صارت فيما بعد أساطير وحكايات، ثم نصوصًا مقدسة وطقوسًا سحرية، لكن جوهرها ظل واحدًا: إنّ الإنسان مخلوقٌ مسكون بفضول أبدي، لا يكتفي بما يُرى، بل يتوق دائمًا إلى ما لا يُرى. وسط هذا الشغف الكوني، تبرز سيرة عبد الله الحظرد، العربي الملقب بالمجنون، أخطر ساحر في التاريخ، ورمز المعرفة الملعونة التي لا تزال تفتن القراء والعلماء منذ القرن الثامن حتى اليوم. سيرةٌ كتبت بمداد الدم والرعب، عن السحر الأسود وتعاليم التواصل مع كياناتٍ أخرى، أزلية، لا مبالية بالبشرية. يقال إن كتابه العزيف هو أقدم سرد "كامل" لما عُرف لاحقًا بـ النيكروميكون : مجلّد مخيف، مُغطى بجلدٍ غريب، بمشابك معدنية، محفوظ في أقبية مظلمة لا يُسمح باستعارته، ولا يراه إلا من حصل على إذن خاص من مديري المجموعات السرية في مكتبات الغرب. معظم صفحاته رقوق متعفنة، لكن الكلمات التي تحملها لا تزال تتنفس وكأنها كُتبت أمس. إن محاولات حرق هذا الكتاب أو إخفائه باءت بالفشل عبر القرون. وكأن الكتاب نفسه يمتلك إرادةً للعودة، لينتصب أمام كل جيلٍ جديد كمرآة للفضول البشري الملعون. وما يثير الدهشة أن الناس – رغم معرفتهم بالمخاطر – يندفعون إلى قراءته. كأنهم يفتشون عن الحقيقة حتى لو قادتهم إلى الجنون أو الهلاك. إنه شغف قديم يتجاوز الخوف، شغف يجعل البشر يقفون وجهًا لوجه أمام الماورائيات، لا ليكتفوا بالمشاهدة، بل ليحاولوا الانخراط فيها. وما يضيف إلى رهبة الحظرد وكتابه أنّ المراجع الأجنبية، وخاصة العبرية والمرويات الغنوصية، تصوّر العزيف على أنه رمز للرعب الكوني. إنه لا يصف فقط طقوس السحر الأسود، بل يضع البشرية في مواجهة حقيقةٍ مرعبة: أنّها ليست مركز الكون، بل مجرد جزء ضئيل في فضاء شاسع لا مبالٍ. في هذا الفضاء تسكن كائنات أقدم من الأرض ذاتها، تنتظر بصبرٍ أن تعود لتحكم حيث يحكم الإنسان الآن. في إحدى المخطوطات المترجمة، يتردد النص التالي، وهو من أكثر المقاطع التي تكثف فلسفة الرعب الكوني: "لا ينبغي أن نفكر أنّ الإنسان هو الأقدم أو الأخير من سادة الأرض، أو أن الجزء الأكبر من الحياة يسير في عزلة. لقد كان القدماء، والقدماء هم، وسيكونون دومًا. ليس في المساحات التي نعرفها، ولكن بينها، يمشون هادئين وبلا أبعاد، غير مرئيين لنا. يوغ سوثوث يعرف البوابة. يوغ سوثوث هو البوابة، هو المفتاح وحارس العتبة. الماضي والحاضر والمستقبل جميعهم واحد فيه. إنه يعرف أين اخترق القدماء القديم، وأين سيخترقون ثانية. يعرف أين وطئوا حقول الأرض، وأين ما زالوا يمشون، ولماذا لا يمكننا أن نراهم. أحيانًا يشمّ البشر رائحتهم، لكن لا أحد يدرك أشكالهم، إلا من حملوا نسلهم بين البشر. إنهم يثنون الغابة ويسحقون المدينة، دون أن تُرى اليد التي تضرب. لقد عرفهم كاداث في برده القارس، وجزر المحيط الغارقة ما زالت تحمل أحجارهم المختومة. كثولو العظيم ابن عمهم، ومع ذلك لا يراهم إلا غامضًا. شوب نيغوراث تبقى شاهدة على قذارتهم. إنهم يسيرون بيننا، وأيديهم على حناجرنا، لكننا لا نراهم. يوغ سوثوث هو مفتاح البوابة التي تلتقي عندها الأجرام السماوية، حيث حكموا وسيمكثون من جديد. بعد الصيف شتاء، وبعد الشتاء صيف. إنهم ينتظرون بصبرٍ وقوة، لأنهم سيحكمون هنا من جديد." هنا يبرز معنى الحظرد وكتابه: ليسا مجرد أثر من الماضي، بل رمزين أبديين للمعرفة المحظورة. سيرة الحظرد و العزيف تمثلان الشغف الإنساني الذي لا يهدأ، والرهبة البدائية من المجهول، وتكثفان صورة الرعب الكوني الذي يجعل القارئ، حتى بعد قرون، يشعر أن الكلمات ما تزال حية، وأن اليد غير المرئية لا تزال قريبة من عنقه. إن هذا الكتاب الذي بين أيدينا ليس بحثًا في شخصية عابرة، بل محاولة لفهم اللغز الذي شغل العالم قرونًا: من هو عبد الله الحظرد، وكيف استطاع أن يترك وراءه أثرًا لا يزال يُقرأ، ويُحظر، ويُحرق، ثم يُبعث من جديد؟ إنه بلا جدال أخطر وأشهر شخص في تاريخ الماورائيات، الرجل الذي تجرأ على النظر إلى الهاوية دون أن يغمض عينيه: عبد الله الحظرد.