كتاب الأسماء الحسنى الوظيفية في القرآن الكريم دراسة توقيفية تحليلية لدلالات التدبير الإلهي

إسلاميات

كتاب الأسماء الحسنى الوظيفية في القرآن الكريم دراسة توقيفية تحليلية لدلالات التدبير الإلهي

سنة النشر
2025 · المزيد من كتب هذا العقد

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي تنزهت ذاته عن كل نقص، وتعالت صفاته عن كل حد، وجلت أسماؤه عن كل شبيه، القائل في كتابه المبين: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والصلاة والسلام على خير خلق الله، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أوصانا بمعرفة ربنا، فقال: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة". وبعد، إن معرفة الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته هي باب واسع لفهم سنن الكون، ووسيلة للتأمل في سر التدبير الإلهي في الخلق والتشريع. فالإيمان الحق لا يقتصر على التصديق المجرد، بل هو معرفة تعمّق الفؤاد وتضيء العقل، كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، فالعلم بالله هو الركيزة الأولى لكل علم، والأساس الذي تبنى عليه العقيدة الصحيحة. الغرض من تأليف الكتاب: لقد دفعني لتأليف هذا الكتاب مقصد أسمى، وهو تبيان شيء مما يتعلق بجملة الأسماء الحسنى، معتمداً على ما يسره الله لي من الوسع والتيسير، وطبقاً لما انتهى إليه عملي القاصر والقصير. إنما أعتمد على الله سبحانه وتعالى في تحقيق هذا المقصد وتكميله، وإليه أستند في نفعه وتحصيله، ومنه أسأل أن يجعله نوراً ساطعاً وروضاً يانعاً، يكون رحمة لعباده، وبركة في أرضه وبلاده، وهو حسبي ونعم الوكيل. إن هذا الكتاب يسعى إلى تقديم فهم متجدد لدلالات أسماء الله الحسنى، ليس فقط من زاوية العقيدة التقليدية، ولكن من خلال استنباط المعاني من الواقع المشهود، حيث تتجلى آثار أسماء الله وصفاته في كل ما يحيط بنا. فنحن نرى كيف جعل الله سبحانه من أسمائه ما للجمال، وما للجلال، وما للكمال بالقدرة، وما للتجلي والتحلي والتملي، فيتأتى لذوي الخبرة أن ينالوا منها ما هو لطلب المناصب العالية، ومنها ما هو لتعمير القلوب الخالية، ومنها ما من أسراره فك الكروب، ومنها ما هو لجمع المحب مع المحبوب، ومنها ما هو لتكميل الناقص من الناس، ومنها ما هو للطهارة من سائر الأدناس. فسبحان من أودع سره في كلماته، وجعل فضائل بره في بديع آياته. مقدمة منهجية: لابد قبل الخوض في الغرض المقصود من هذا الكتاب، من تقديم مقدمة منهجية تكون توطئة وتكميلاً، يرجع إليها القارئ تعريفاً وتأصيلاً. ويحضرني من ذلك مسائل أساسية: المسألة الأولى: مناحي دراسة الأسماء الحسنى: إن الكلام في الأسماء الحسنى قد دار على خمسة أنحاء رئيسة وهي جملة ما يحتاج إليه في مبانيها اللفظية، ومناحيها المعنوية، ومقتضياتها الوجودية، ووجوهها العرفانية، وخواصها الوجدانية. ولقد سلك كل فريق من العلماء طريقاً في تناولها. وهذا الكتاب، وإن كان يستفيد من هذه المناحي، فإنه يركز بشكل خاص على الدلالات "الوظيفية" للأسماء الحسنى وكيفية تجلياتها في "التدبير الإلهي" للكون والحياة، مستخلصاً ذلك مباشرة من النص القرآني. المسألة الثانية: التوقيفية في الأسماء الحسنى: إن الأسماء الحسنى توقيفية، فلا تثبت إلا بنص أو إجماع على الصحيح. وهذا هو المنهج الذي نتبناه في هذا الكتاب بما أسميناه "التوقيفية المطلقة"، التي تعتمد على النص القرآني المجيد كمرجع وحيد وأساسي لاستخلاص الأسماء الحسنى ودلالاتها الوظيفية. وعلى الرغم من أن بعض العلماء قد أثبت أسماء بالاشتقاق من الأفعال والصفات وما جاء من الصيغ في الدعوات وغيرها، إلا أن هذا الرأي يبقى مرجوحاً عند المحققين من العلماء، وملحوظاً عند بعض المتصوفة. لقد عمد بعضهم، مثل الشيخ أبي العباس البوني، إلى تقسيمها حتى انتهى بها إلى مائة ونيف وخمسين اسماً، والله تعالى أعلم. لكن منهجنا ينأى عن ذلك، ويحصر البحث في الأسماء التي وردت نصاً في كتاب الله. المسألة الثالثة: الأسماء عين المسمى: لقد أثير جدل حول مسألة "الأسماء عين المسمى" أو "غيره". وقد أبى قوم ذلك، وفصّل آخرون، وتوقف آخرون امتناعاً عن الخوض. ولكن السلف الصالح لم يتكلموا في الاسم ولا في المسمى، ولا في الصفة والموصوف، ولا في التلاوة والمتلو؛ طلباً للسلامة، وحذراً على الغير، وهذا منتهى الورع. وهذا الكتاب يتجنب الخوض في هذه المسائل الكلامية الدقيقة، ويركز على الدلالات الوظيفية والتطبيقية للأسماء. المسألة الرابعة: أقسام الأسماء الحسنى: تُقسم الأسماء الحسنى إلى أربعة أقسام رئيسة: أسماء الذات: وهي التي يقال فيها "هي هو"، وتعبر عن ذات الله المطلقة. أسماء الصفات: وهي التي لا يقال فيها "هي هو" ولا "هي غيره"، وتعبر عن صفات الله التي لا تنفك عن ذاته. أسماء التنـزيه: وهي مبنية على التقديس المطلق لذات الله تعالى عن كل نقص، مثل اسم "القدوس". أسماء الأفعال: قال إمام الحرمين: "وهي كل ما دلت التسمية به على فعل في الخلق والرزق". وقد نظر في ذلك بعض المشايخ بأن المغايرة تكون فيما منه الاشتقاق لا في الاسم، وهو الصحيح. وسيكون التركيز في هذا الكتاب على كيفية تجلي هذه الأقسام، وبخاصة أسماء الأفعال، في تدبير الله لشؤون خلقه. المسألة الخامسة: إحصاء الأسماء ودخول الجنة: لقد صح الحديث الشريف: "إن لله تبارك وتعالى تسع وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة". وهذا الحديث يحصر الثواب لمن أحصى هذه التسعة والتسعين اسماً، ولكنه لم يحصر الأسماء في هذا العدد. فمن الجائز أن تكون هناك أسماء أخرى لم يرد علمنا بها، أو علمناها ولكن ليس لها هذا الثواب الخاص. وقد ذكر بعض العلماء أن هذه التسعة والتسعين قد وُضعت خصيصاً للتعبد والسلوك بها بخلاف غيرها، ونبه عليه القاضي أبو بكر العربي في "المد الأقصى". وهذا يؤكد على أن المنهج التوقيفي الذي نتبعه هو المنهج الأسلم في التعامل مع الأسماء. المسألة السادسة: عد الأسماء في الروايات: لقد ورد عد هذه التسعة والتسعين في الترمذي وغيره من كتب الحديث، لكن باختلاف وتقديم وتأخير. ولقد رجح الحافظ ابن حجر أن سردها إنما هو من فعل الرّاوي وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وقد سامح قوم في حملها على الرفع، وقالوا: يقبل فيها خبر الواحد؛ لأنها عبادة وعمل. وهذا ما يزيد من قوة منهجنا في الاعتماد على النص القرآني الثابت لتجنب الخلافات حول صحة الأحاديث وسرد الأسماء. المسألة السابعة: مفهوم الاشتقاق في الأسماء: حيث ذكر الاشتقاق في الأسماء، فالمراد به أن المعنى المذكور ملحوظ في الاسم المذكور. وإلا فإن الشرط الحقيقي للمشتق أن يكون مسبوقاً بالمشتق منه، وأسماء الله تعالى قديمة لأنها من كلامه، وهي ليست حادثة حتى تشتق. وقد أنكر قوم إطلاق لفظ "الاشتقاق" للإيهام، وقالوا: إنما يقال بمثل اسمه "السلام": فيه معنى من السلامة، وفي مثل اسمه "الرحمن": فيه معنى من الرحمة. بل قالوا: إن الأشياء هي المشتقة من الأسماء لحديث: "هي الرحم وأنا الرحمن اشتققت لها اسماً من اسمي"، ولما أنشده حسان رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: واشتق له من اسمه لِيُجِلَّهُ فذو العرش محمود وهذا محمد وهذا يؤكد أن الأسماء هي الأصل والمعاني منها تستقى، لا العكس. المسألة الثامنة: الإحصاء ومراتبه: الإحصاء المذكور في الحديث الشريف يأتي على خمسة أوجه رئيسة: الحفظ، والذكر، والعلم، والتعلق، والتخلق. وكل هذه الأوجه أقوال متكاملة. ثم إن الذكر إما أن يكون للتعبد، أو للتوسل، أو لطلب الخاصية. ولكل من هذه الوجوه شروطه ومادته. وتتنوع هذه الأوجه إلى خمسة أنواع تقضي بموادها ووجوهها: النكتة: وهي التي تنصبغ بها الحقيقة فيخرق الظاهر والباطن بلا تعمد (وهي للعارفين). النقطة: وهي التي يثلج لها القلب فينفسح في عوالمه فيقع التصرف على وفقه (وهي للواجدين). الهيئة: وهي التي تشغل الظاهر بمبانيها، وتوجه الباطن لمعانيها فيقع التأثير على إثره (وهي للمريدين). الرسم: وهو الذي يعمر الوقت ويحصل التعبد (وهو للمبتدئين). العادة: وهي التي لا تفيد ولا تجدي، وهو الذي يجري على ألسنة العوام من غير قصد، أو بقصد غير جازم، أو بجازم لا يستشعر معه الذكر ولا المعنى ولا المذكور (وهذا لا عبرة به إذ ليس بذكر حقيقة). وسيكون هذا الكتاب عوناً للقارئ على الارتقاء بفهمه للأسماء من مجرد العادة إلى مراتب العلم والتعلق والتخلق. أهمية أسماء الله الحسنى: أسماء الله الحسنى أو أسماء الله العظمى هي أسماء لله تفيد مدحه وحمده وثناءه وتمجيده وتعظيمه وصفات كماله ونعوت جلاله، وأفعال حكمة ورحمة ومصلحة وعدل من الله. يُدعى الله بها، وتقتضي المدح والثناء بنفسها. وقد سمى الله بها نفسه في كتبه، أو على لسان أحد من رسله، أو استأثر الله بها في علم الغيب عنده، لا يشبهه ولا يماثله فيها أحد. وهي "حسنى" يراد منها قصر كمال الحسن في أسماء الله، ولا يعلمها كاملة وافية إلا الله. وهي أصل من أصول التوحيد في العقيدة الإسلامية، لذلك فهي روح الإيمان وأصله وغايته. فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته، ازداد إيمانه وقوي يقينه. والعلم بالله، وأسمائه، وصفاته أشرف العلوم عند المسلمين، وأجلها على الإطلاق؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم في هذا العلم هو الله سبحانه وتعالى. لقد امتدح الله بها نفسه في القرآن الكريم فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ٨﴾ [سورة طه، الآية 8]. وحث عليها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فقال: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة". يهدف هذا الكتاب إلى التعمق في فهم هذه الأسماء من منظور "الوظيفية"، أي تتبع دلالاتها العملية والتطبيقية في سياقاتها القرآنية، وكيف تتجلى من خلالها سنن الله في تدبير الكون وشؤون الخلق، وكيف يمكن استحضار هذه الأسماء وتفعيلها في الدعاء، والتوكل، وحل المشكلات، والتعامل مع تحديات الحياة، لتعزيز اليقين، وإزالة القلق، وتحقيق السعادة والطمأنينة. ويسعى الكتاب للإجابة على سؤال جوهري: "كيف نطبق فهمنا للأسماء في حياتنا اليومية؟". يُختتم الكتاب بالتأكيد على أن فهم الأسماء الحسنى ودلالاتها، والوصول إلى أسرارها النورانية، يحتاج إلى مزيد من التأمل والتدبر والتطبيق العملي، جاعلاً من هذا الكتاب دليلاً للمسلم المعاصر لتعميق علاقته بربه من خلال أسمائه الحسنى.

كتب من نفس الفترة (عقد 2020)