عن الكتاب
ولد عام 1928 في بلدة تاوريرت ميمون بالجزائر ، وانتقل مع عائلته إلى بلدة عين الأربعاء ( ولاية عين تموشنت ) حيث درس دراسته الابتدائية بها. ثم واصل دراسته الثانوية في وهران لدى الآباء البيض [ 8 ] ، يُذكر أنه نشأ في عائلة فقيرة ، وكان والده يملك متجراً صغيراً في قرية اسمها ( عين الأربعاء ) شرق وهران ، فاضطر ابنه محمد أن ينتقل مع أبيه، ويحكي أركون عن نفسه بأن هذه القرية التي انتقل إليها كانت قرية غنية ب« المستوطنين الفرنسيين » وأنه عاش فيها «صدمة ثقافية»، ولما انتقل إلى هناك درس في مدرسة الآباء البيض التبشيرية ، والأهم من ذلك كله أن أركون شرح مشاعره تجاه تلك المدرسة حيث يرى أنه (عند المقارنة بين تلك الدروس المحفزة في مدرسة الآباء البيض مع الجامعة، فإن الجامعة تبدو كصحراء فكرية) [p. 128]. ثم درس الأدب العربي والقانون والفلسفة والجغرافيا بجامعة الجزائر ، ثم بتدخل من المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون قام بإعداد التبريز في اللغة والآداب العربية في جامعة السوربون في باريس [ 9 ] '. ثم اهتم بفكر المؤرخ والفيلسوف ابن مسكويه الذي كان موضوع أطروحته. أهم منطلقاته الفكرية 1- يدور مشروع أركون الفكري حول كيفية إدخال، وتطبيع الفكر، والمجتمع العربي والإسلامي، داخل التاريخ الحديث، الذي بدأ في الغرب منذ القرن الخامس عشر، ومازال إلى يومنا هذا، وهو ما يدعو إلى مراجعة الكثير من أسس هذا الفكر، سواء في تراثه الوسيط أم في نهضته المعاصرة، التي ظهرت مع نهايات القرن التاسع عشر. 2- يدعو إلى سبر أغوار التراث الإسلامي، واستنطاق البنى المضمرة، أو اللامفكر فيها، ويرى آفاق التراث مكوّنة من طبقات أركيولوجية، ولا بد من الوصول إلى الطبقات العميقة (القرون التأسيسية الأولى) عن طريق اختراق الطبقات السطحية الأولى، والوسطى، ولا بد من قراءة تفكيكية للطبقات العميقة المؤسسة. 3- يرى أن العقل الإسلامي الكلاسيكي (المؤسس) تفرع إلى عقول إسلامية متنافسة، ثم تحول هذا العقل إلى عقل إسلامي مغلق على ذاته نزع صفة العقل، وتشبع بمفاهيم لاهوتية، وتصورات أسطورية ثابتة ولكي يتفاعل العقل الإسلامي مع العقلانية الحديثة، لا بد من تحطيم البنية العقلية الصلدة المشبعة باللاهوت والأساطير، والتحرر من سلطة النص. 4- لا بد من تحليل النص المقدس (القرآن) وتطبيق المنهج التفكيكي لقراءته، وتطبيق قراءة تاريخية مقارنة، ونزع القداسة عنه، أثناء التحليل، لكشف معانيه الحقيقية، وجعله مفهوماً بطريقة أفضل، ويرى أركون ضرورة إعادة وضع تاريخ جديد للقرآن، وطريقة جمعه، وتدوينه، وتحليل كل الروايات الرسمية وغير الرسمية عن القرآن، ونصوصه، وهو يرى أنّ فكرة الوحي جاءت لتثبيت النص القرآني، وجعله نصاً معيارياً إلهياً مغلقاً أسطورياً لا يجوز فتحه. 5- يرى محمد أركون أن الدين ليس في نشأته ونصوصه الأولى؛ بل في تاريخه الممتد منذ بدايته إلى حاضرنا الراهن؛ إذ لا بد من کشف التطورات الحاصلة فيه، وأسبابها، ورصد الانقطاعات المعرفية ،وأسبابها وهو يرى أن الأديان حركات فكرية شعبية لا بد من رصد بدايتها ،وصيرورتها ومراحلها، وقراءة نصوص تلك المراحل بعلمية لا شأنها، بل هو يكشف طريقة تفكير من مارسها، ومن بدأ بها. 6- بری أن إيستمية النظام الفكري التأسيس الإسلامي، بدأت منذ بداية الدعوة الإسلامية، حتى مجيء الخليفة المتوكل العباسي (611-847م)، وقد استغرقت ما يقرب من القرنين ونصف القرن وهي التي أسست اللغة الفلسفية والفقهية واللاهوتية، والاصطلاحية. أما المرحلة اللاحقة لهذه الفترة، فقد شهدت انغلاق هذه الإبستمية كلياً، وصولاً إلى القرن الرابع عشر الميلادي، ثم جاء دور ما يسمى حراس العقيدة من الفقهاء ورجال الدين، الذين حولوا الإسلام إلى بنية متحجرة تسحق الإنسان. 7- التمييز بين الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية، حيث الظاهرة القرآنية كانت في القرن السابع الميلادي، واستمرت منذ أول آية قرآنية حتى جمع الآيات القرآنية، وتدوينها في ا المصحف، الذي حصل في عهد الخليفة عثمان بن عفان أمّا الظاهرة الإسلامية، فقد بدأت مع الظاهرة القرآنية، لكنها ما زالت مستمرة حتى عصرنا الحاضر. 8- يدعو أركون في المجال الأكاديمي، إلى تخليص الدراسات الإسلامية من التصور الاستشراقي التقليدي الإسلاميات الكلاسيكية)، وتأسيس ما يسميه (الإسلاميات التطبيقية)، التي تقوم على نقد مراحل العقل الإسلامي، وهذه المراحل هي : (1- مرحلة القرآن 2 المرحلة الكلاسيكية -3 المرحلة السكولائية -4- مرحلة النهضة -5 مرحلة الثورات القومية). 9- الإسلاميات التطبيقية هي مركز مشروع أركون، الذي يتضمن نقداً صريحاً وواضحاً للفكر الإسلامي، الذي يرى أنّه مازال يشتغل داخل الإطار المعرفي للقرون الوسطى، حيث بين الأسطوري والتاريخي والتكريس الدوغمائي للقيم الأخلاقية والدينية، والتأكيد التيولوجي على تفوق المؤمن على غير المؤمن والمسلم على غير المسلم، مع تقدیس اللغة، والمعنى النصي المنقول والمفسر من طرف الفقهاء، بالإضافة إلى تقديس العقل، واعتباره شيئاً فوق التاريخ». 10- يؤكد أركون أهمية المنهج الأساس الذي اعتمدته الإسلاميات الكلاسيكية)، التي أسسها المستشرقون، وهو المنهج الفيلولوجي فقه اللغة)، لكنه يرى ضرورة تقدم هذا المنهج نحو خطوة أخرى يطبق الباحث، من خلالها مناهج العلوم الإنسانية، ولاسيما التحليل الأنتربولوجي، فهو يقول : يمثل النقد التاريخاني، الذي يطبقه عالم الفيلولوجيا المستشرق على هذا الخلق (أي: التراث المخلوق جماعياً خطوة أولى لابد منها، ولكنه ليس حاسماً أبداً. فالعالم الفيلولوجي؛ إذ يكتشف النسب الحقيقي للمفاهيم، يشكل بذلك مادة علمية غير موجودة على هذه الهيئة في نفوس المؤمنين (متلقي التراث). إن هؤلاء يتلقون التراث أو يتصورونه على هيئة كل مركب تختلط فيه الحكايات الصحيحة بالحكايات المزورة، والمعطيات التاريخية الوضعية بالتصورات الخيالية، أو المخيالية والزمكان المادي المحسوس بالزمكان الأسطوري. وعلى هذه الشاكلة، يغذي التراث الدينامو المحرك الأخلاقي والروحي ويغذي أيضاً الاندفاعات الإيديولوجية لهذه الذات الجماعية المتمثلة بالأمة الدينية. وينبغي ، إذاً، تكملة النقد الفيلولوجي، أو تعميقه عن طريق التحليل الأنتربولوجي من أجل إحداث التطابق بين المادة العلمية المدروسة ومضامين التراث المعاشة من جهة، وبين الفعالية النفسية والتشكيلية السايكولوجية العميقة للذات الجماعية من جهة أخرى. 11- المخيال، أو العامل الرمزي)، الذي بأخذ أهمية خاصة في تحليل الفكر، ولاسيما في المجتمعات القروسطية، فكلمة مخيال غير كلمة خيال، فالمخيال يتشكل في الذاكرة الجماعية، أو في الذهن (وكلمة مخيال تماثل تعبير دوركايم عن التصورات الجمعية، أو التماثل الجمعي) وهو يضرب بجذوره في أعماق اللاوعي عبر : تشکله، خلال مختلف المراحل التاريخية. وهكذا نتحدث، مثلاً، عن مخيال إسلامي ضد الغرب، أو مخيال غربي ضد الإسلام ،فالمخيال هنا هو عبارة عن شبكة من الصور التي تستثار في أية لحظة بشكل لاواع، وكنوع من رد الفعل. فهناك متخيل (مخيال) كاثوليكي ضد البروتستانتي، أو بروتستانتي ضد الكاثوليكي، أو شيعي ضد السني، أو سني ضد الشيعي... إلخ. 12 ولهذا في نظر أركون كل تحرير للفكر الإسلامي يبقى مشروعاً صعباً ومستحيلاً، إذا لم يتم فتح إضبارة اللامفكر فيه والمستحيل التفكير فيه على مصراعيها، وإعادة قراءة الفكر الإسلامي بناء على نتائج هذا الفتح وذلك لن يتحقق إلا من خلال العلوم الإنسانية الحديثة، من مثل النقد الاجتماعي، وعلم النفس التاريخي لا من خلال ما يساعدان فحسب. ولا يكفي ربط المنهج الوصفي بالمنهج البنيوي بصورة نشطة، وإنما إظهار، في إطار آفاق سوسيولوجية وأنتربولوجية، مضامين لم تكشف بعد للحقيقة التاريخية... العقل واللاعقل، التخيل والمخيال الحساسية الطبيعي وما فوق الطبيعي الدنيوي والمقدس؛ لأن دراسة التراث والتفكير فيه يعنيان أن نخترق وتنتهك (Transgressor) المحرمات والممنوعات السائدة، أمس واليوم وننتهك الرقابة الاجتماعية التي كل الأسئلة تريد أن تبقى في دائرة المستحيل التفكير فيه (impensable) التي كانت قد طرحت في المرحلة الأولية والبدائية للإسلام، ثم سكرت، وأغلق عليها بالرتاج منذ أن انتصرت الأرثوذكسية الرسمية المستندة على النصوص الكلاسيكية. 13 تأكيد العلوم (الإثنوغرافية - الأنتربولوجية)، المهتمة بالذاكرة الجمعية عن طريق التنقيب، والحفر الأنثربولوجي، والتي تهتم بالمخلفات الإنسانية، ومنها: اللغة، واللهجات، ويكشف عن مستويي ذاكرة اللغة وذاكرة اللهجة، وما تحملانه من رموز، وعلامات، وتصورات، وأفكار أساسية. 14 يرى أركون أن الثقافة العلمانية لا تعني الإعراض عن الأديان، أو رفض العقائد الدينية، كما يظن الكثيرون ؛ بل إن موقفها مبني على احترام جميع الذاكرات الجماعية مع الدينية، وينبغي أن نحمي جميع أشكال الذاكرة المتعايشة؛ لأنها تحمل التواشج في الإنتاج، على الرغم من اختلاف توجهاته؛ ولذلك يكون التحليل الأنتربولوجي ضرورياً للتغلب على سلطة الشعارات الإيديولوجية، التي تغذي المخيالات الاجتماعية المتصارعة، ذلك أن المقاربة الأنتربولوجية تمنح مفهوم القيم والعقائد رؤية متسامحة، وقاعدة مشتركة محررة لها. 15 يرى أركون ضرورة تطبيق علم النفس التاريخي، الذي هو فرع من فروع مدرسة التاريخ الحديث، الذي أسسته مدرسة الحوليات الفرنسية في علم التاريخ، فهو يرى أنه بعد مرحلة تطبيق المنهجية التاريخية الوضعية، ومسح التراث مسحاً شاملاً، وتحقيقه، والتأكد من تواريخه ووقائعه ينبغي أن ننتقل إلى دراسة كل ما ليس وقائع مادية محسوسة؛ أي : الخيالات والأوهام ،والأحلام والطوباويات التي عمرت رؤوس الناس، أو حركت الجماهير، فهذه أشياء تستحق أن يهتم بها المؤرخ وليس الماديات فحسب. 16- استعمل أركون المنهج التفكيكي، الذي وضعه دريدا، عن طريق تفكيك المقولات اللاهوتية الإسلامية التي وضعت على شكل ثنائيات متضادة، مثل: (مؤمن كافر، حلال حرام طاهر / نجس ، دار الحرب / دار السلام ، ... إلخ)، ووجد أنها متضادات نسبية في التاريخ الإسلامي نفسه، فقد لاتتعارض مع بعضها في زمن ما دون آخر، وفي نظام لاهوتي إسلامي دون نظام إسلامي لاهوتي آخر وهكذا أثبت عدم قدرتها على الصمود دائماً، واعتبارها متضادات نسبية متداعية وهذا ما يدعونا إلى تجاوزها، وتشكيل رؤية واضحة لحقيقة الفكر الإسلامي الخاضعة للجدل التطوري بشكل طبيعي.