عن الكتاب
في ظل التحولات العالمية المتسارعة، وتعاظم التهديدات المعقدة التي تجاوزت الطابع العسكري التقليدي، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة بناء مفهوم الأمن القومي ضمن رؤية تحليلية شاملة، تستوعب أبعادًا جديدة كالأمن المعرفي، والتربوي، والثقافي، والتنموي، وتعيد صياغته وفقًا لأولويات السياق المحلي، وتزداد هذه الحاجة إلحاحًا في الحالة المصرية، حيث يتقاطع الأمن القومي مع إشكاليات مجتمعية مركبة تشمل تحديات التعليم، والهوية، والاستقلالية التنموية، والتغيرات الجيوسياسية . ويأتي هذا الكتاب ليستجيب لهذه الضرورة المعرفية والمجتمعية، من خلال تقديم دراسات علمية متعددة الرؤى، تتناول الأمن القومي ليس بوصفه مجالًا تقليديًا، بل كإطار تحليلي تتفاعل فيه قضايا السيادة، والسياسات، والهوية، والثقافة، والموارد والتنمية، ويتميز الكتاب بتركيزه على الواقع المصري، باعتباره نموذجًا تطبيقيًا غنيًا، تتجلى فيه التحديات الأمنية الجديدة، وتتصارع فيه المقاربات التقليدية والحديثة حول أمن الدولة والمجتمع معًا . ويتضمن الكتاب خمس دراسات رئيسة، تنقسم من حيث الطرح المنهجي إلى دراستين تتبنيان المقاربة الوظيفية، وتركزان على الأدوار المستقبلية والمؤشرات لتطبيقية للأمن القومي، وهما الدراستان الثانية والخامسة، وثلاث دراسات أخرى تنتمي إلى المقاربات النقدية، وتركز على المفاهيم والخطابات السائدة، وتقترح بدائل معرفية ونظرية لمفهوم الأمن القومي وهي الدراسات الأولى والثالثة والرابعة . ويمهّد لهذه الدراسات مقدمة تهدف لإعادة بناء المفهوم، عبر قراءة مزدوجة للتاريخ والتحولات الراهنة جاءت تحت عنوان تأصيل نظري لمفهوم الأمن القومي، وتتناول تطور مفهوم الأمن القومي بين التصورات الكلاسيكية التي تربطه بالقوة العسكرية والسيادة، والرؤى المعاصرة التي تدمجه ضمن مفاهيم العولمة، وحقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، ويقترح هرم ماسلو كمدخل بديل لرصد التهديدات الحديثة للأمن . ثم يستعرض الكتاب عددا من الدراسات تمثل فصوله ، والتي جاءت كالتالي : الدراسة الأولى وعنوانها: التعليم والأمن القومي، مقاربة معرفية ( وهي تمثل المنحى النقدي)، وتطرح هذه الدراسة قراءة نقدية موسّعة لمفهوم الأمن القومي من منظور فلسفة التربية وعلم الاجتماع التربوي، وتناقش كيف يمكن إعادة بناء المفهوم من خلال مدارس التحليل النقدي، مثل كوبنهاجن وباريس وأبريستويث، وتنتهي إلى تأصيل مفهوم الأمن التربوي، بوصفه عنصرا أساسيا في مفهوم الأمن الوطني. وهذه الدراسة ضرورية لإعادة بناء مفهوم الأمن القومي من منظور معرفي نقدي، ومن خلال تحليل أبعاده التربوية والفلسفية والاجتماعية، وتوسيع دائرته خارج المجال العسكري، ما يسمح بفهمه كمفهوم ديناميكي متعدد الأبعاد. الدراسة الثانية وعنوانها: رؤية مستقبلية لدور التربية في مواجهة تحديات الأمن القومي المصري (وتمثل الاتجاه الوظيفي)، وتتناول هذه الدراسة التحديات البنيوية التي تواجه مصر في مجال الأمن القومي، ومنها التحديات التعليمية والاقتصادية والثقافية، وتقدم رؤية مستقبلية لدور التعليم في مواجهتها، من خلال تخطيط تربوي يتكامل مع أهداف الأمن الوطني، و تقدم هذه الدراسة تصورًا وظيفيًا لارتباط التعليم بالأمن القومي، من خلال تحديد التهديدات الوطنية القائمة واقتراح دور واضح ومتكامل للمؤسسات التربوية في مواجهتها، مما يعزز مناعة الدولة من الداخل . والدراسة الثالثة وعنوانها: الأمننة في الخطاب الرسمي للتعليم (وهي تمثل الاتجاه النقدي): وتحلل هذه الدراسة الخطاب السياسي الرسمي تجاه التعليم، وتكشف عن الآليات التي توظف التعليم كأداة للضبط السياسي، وتقويض الرأي العام، وتغيير دور الدولة من الحارس الاجتماعي إلى المستثمر في السوق. وتكشف هذه الدراسة كيف يعاد تشكيل مفهوم الأمن القومي من خلال الخطاب الرسمي، وكيف تُستخدم السياسات التعليمية كأداة للضبط الأمني، مما يبرز أهمية الوعي بالخطاب وتأثيره . والدراسة الرابعة بعنوان: المتطلبات التربوية لدعم الهوية والشخصية المصرية لمواجهة تحديات الأمن القومي، وهي تمثل الاتجاه النقدي، وتستعرض هذه الدراسة أزمة الهوية في الشخصية القومية المصرية، خصوصًا بعد الثورتين، وتحلل أثرها على الأمن القومي، وتقترح متطلبات تربوية لإعادة بناء الوعي الوطني، وتعزيز الديمقراطية والمواطنة كركائز للاستقرار والأمن الداخلي، و تربط هذه الدراسة بين الهوية القومية والأمن الوطني، وتوضح أن تفكك واهتزاز الشخصية الوطنية تشكل تهديدًا بنيويًا للأمن القومي، وتقترح تدخلات تربوية لتعزيز الانتماء والاستقرار المجتمعي . أما الدراسة الخامسة وعنوانها: المساعدات الإنمائية للتعليم قبل الجامعي واستقلالية السياسات التعليمية، فهي تتبنى المدخل الوظيفي، وتقدم هذه الدراسة نموذجًا تحليليًا لتأثير المساعدات الخارجية على استقلالية القرار التعليمي في مصر، وتقيّم مشروع إصلاح التعليم ضمن خطة التعليم للجميع، وتطرح مقاربة لرصد التوافق بين أهداف التنمية المحلية ومتطلبات الاستقلال السيادي. وتسلط هذه الدراسة الضوء على العلاقة بين التمويل الخارجي والسيادة الوطنية، وتكشف كيف يمكن أن تشكل المساعدات الأجنبية تهديدًا غير مباشر للأمن القومي، حينما تؤثر على استقلال القرار الوطني في مجال حيوي كالتعليم . وهذا الكتاب لا يقدم أطروحات نظرية فقط، بل يمثل محاولة جادة لتطبيق المدخل النقدي والوظيفي على قضايا واقعية ومعاصرة، بأسلوب علمي يعكس عمقًا معرفيًا وتوجهًا ميدانيًا، وهو كتاب لا يقتصر على المختصين في قضايا الأمن فحسب، بل يخاطب الباحثين في مجالات التربية، والسياسات العامة، والعلوم الاجتماعية والفكر الاستراتيجي. وقد تحقق بهذا العمل الجماعي متعدد الأجيال أمل حلم به فريق العمل طويلا، وتراكم خلاله البناء المعرفي حذوا بحذو مع البناء الإنساني للعلاقات المهنية والأكاديمية بين أعضائه، ويحسبون أنهم بذلك الجهد يضربون مثالا يحتذى بين أقرانهم في الأقسام العلمية المناظرة، آملين أن يلقى هذا العمل مع مجموعة متكاملة معه من الأعمال العلمية في مجال من مجالات أصول التربية هو مجال السياسات التربوية والأمن القومي ما يستحقه من الاهتمام والتدارس والنقد. هذا الكتاب محاولة لإثراء القاعدة المعرفية حول مفهوم الأمن القومي وموقع التعليم بوصفه مقوماً رئيساً من مقوماته، وإقامة مساحات تقاطع جديدة بين دائرة التربية بأصولها؛ الفلسفية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، وبين دائرة العلوم الأمنية والعسكرية والعلاقات الدولية، من مناظير متعددة وظيفية ونقدية. ولبنة إضافية في سبيل إرساء مجال جديد للتخصص في أصول التربية يعنى بدراسة الظاهرة التربوية من منظورها الأمني القومي الواسع، وغير التقليدي، والإنساني، والنقدي، وتنطلق من خلاله دراسة موضوعات السياسات التربوية، واجتماع التربية، واقتصاديات التعليم، والشخصية القومية في علاقاتها بالأمن القومي.