عن الكتاب
كان يتملكني في تلك الأيام شعور غريب، إذ كانت حياة الموفد إلى لبنان آنذاك شبيهة بحياة ابن شديد التعلق بوالديه لكنه مضطر إلى تحمل أحقاد انفصالهما. فخلال النهار يزور الأم، بيروت الغريبة التي تعيش في حال من البؤس المزري وتتهم "زوجها" السابق بكل الدناءات الممكنة. وليلاً يعود إلى الأمان الأبوي المخملي، إلى بيروت الشرقية، الوالد الذي حافظ على استقلاليته الأبية ولا ينفك يتهم زوجته بأنها امرأة سهلة المنال وسيئة السمعة. كانت زيارة الأم تنطوي دائماً على مجازافات خطيرة لا مفر منها. أما العودة إلى مترل الأب عند نزول العتمة فقد كانت تشبه الخروج من كابوس. الأم والأب يكره واحدهما الآخر، ويتبادلان الشتائم من جهتي الخط الأخضر على نحو لا يطاق ويزداد سوءا يوماً بعد يوم، إلا أن أياً من الاثنين لم يكن قادراُ على العيش متجاهلاً الثاني إذ كانت بيروت الغربية تريد أن تعرف الشاردة والواردة عن الشرقية والعكس بالعكس...