عن الكتاب
أصول النظرية النقدية القديمة من خلال قضية اللفظ والمعنى في خطاب التفسير هو عنوان لبحث يروم إلى تجاوز المستوى العادي لفهم المعنى القرآني المرتبط بنشأة التفسير إلى مستوى آخر موصول بمرحلة نضج فيها التفسير وخرج عن نهج البحث العفوي إلى نهج البحث العالم من خلال جهود مفسر قويّ الشكيمة تحوّل التفسير بفضله إلى عالم فاستحال معه الفهم إلى فلسفة. إذ ذلك المفسر هو محمد بن جرير الطبري (ت 310) صاحب (جامع البيان عن تأويل القرآن) ويذكر الباحث بان اختياره لتفسير الطبري مثالاً على الهيرمينوطيقا القرآنية إنما يعود لعدة أسباب من أبرزها: اقتران اسم الطبري بأول تجربة متكاملة في الفهم تجسّمت من خلال تفسيره القرآن تفسيراً محّضه لأنه يمثل: 1-نقطة البدء وحجر الأساس لأدب التفسير القرآني فالطبري إذن هو صاحب مجهود تأسيسي، 2-الطابع الموسوعي الذي يكتسبه تفسير الطبري. وكتفسير الطبري، ولسائل أعماله، قيمة وثائقية تتجسم من خلال جمعه للمصادر المكتوبة على امتداد قرنين من حوالى 50هـ/670م إلى حوالي 250هـ/864م وهو عادة لا يعتمد على أعمال معاصرين. 3-إن صفة الموسوعية لا تتعلق بتفسير الرجل فقط؛ بل إنها ترتبط بالرجل ذاته، فالطبري علامة بارزة في الفكر العربي القديم وأعماله تشكل مدوّنة هائلة تشهد على مساهمات مدنية جليلة ترتقي بالطبري إلى مرتبة المفكر المهموم بإشكالية المعرفة بوجه عام. 4-إن تفسير الطبري هو نموذج الشرح الرسمي للقرآن، وهو شرح يعتمد على خارج النص (المرويات والتاريخ) وعلى النص في لفظه ومعناه. 5-إن الطبري يجمع في تفسيره بين الرواية والدراية والنقل والعقل مما جعله يلجأ في عديد الأحيان إلى استنطاق النص من الداخل، معوّله في ذلك (اللفظ والمعنى). ولن ينعقد اهتمام الباحث في عمله هذا على ما يروي الطبري من مأثور لأنه معني بالنص قبل خارجه، وهو لن يكون انصرافه إلى مسائل اللغة، لأنها لا تعنيه إلا في صلتها بالمسألة الجمالية وبأصول النظرية النقدية عند العرب القدامى. إن غاية الغايات لدى الباحث هي إزاحة الركام عن الرسالة الجمالية للبلاغ القرآني من خلال تحليلات الطبري المنصبة على النص في لفظه ومعناه وذلك في إطار البحث في أدبية النص المقدس التي لم تسلم، عبر مراحل التاريخ الإسلامي، من التوظيف لغايات لا علاقة لها بالفن والجمال. إن ما يعني الباحث تحديداً هو الطريقة التي يجيب بها القرآن عن مجموعة الأسئلة الكونية فالنص القرآني يجيب عن أسئلة الوجود والأخلاق والمصير. وهو يجيب عن ذلك بشكل جمالي-فني. فاهتمام الباحث معقود على الجانب الفني في النص المقدس لأنه فن آخر من القول، وفن آخر للقول، فنّ في الكتابة وفنّ في تكوين النص.