عن الكتاب
قراءة في كتاب المرآة الجلية ظهر كتاب " المرآة الجلية في ضبط ما تفرق من أولاد سيدي يحيى بن صفية وفي التعريف بمشاهير العلماء ورجال المعاهد الصوفية " لمؤلفه الشيخ " الجيلاني بن عبد الحكم العطافي " في طبعته الأولى خلال شهر جوان من سنة 1953م عن دار ابن خلدون بمدينة تلمسان، وجاء الكتاب في 436 صفحة بغلاف بُني بمقاس (23.5×15.5 سم) ومسطرته 22 سطر في الصفحة، بترقيم هندي يتوسط أعلى الصفحة. إلا أن فكرة الكتاب وشروع المؤلف في إعداده وتحريره تعود إلى سنة 1940م، وهذا يتضح جليا من خلال الرسائل المتبادلة بينه وبين أبناء عمه بكل من أولاد نهار والبيض والتي تعود إلى هذا التاريخ، وقد انتهى الشيخ من تحرير النسخة الأولى من كتابه بتاريخ 20 محرم 1363 هـ الموافق لجانفي 1944م، إلا أنه سرعان ما أعاد صياغة نسخة ثانية عدَّل في بعض مباحثها ومطالبها، وانتهى من تحريرها بتاريخ 28 جمادى الثانية 1364 هـ الموافق لجوان 1945م، وسبب تحريره للنسخة الثانية يعود بالأساس إلى خلافه مع القائد السايح عبد القادر ومحبِّس المدرسة اللذان أخرجاه من مدرسة الفلاح، فرأى من الضروري تغيير المباحث المتعلقة بالمدرسة بعد إخراجه منها، وحذف تراجم من اختلف معهم سواء القائد السايح عبد القادر أو السيد فكنوس العباسي _محبس المدرسة_ أو بعض تلاميذه الذين انتظموا في المدرسة الجديدة. إلا أن الشيخ ظل يعدِّل بالإضافة والتصحيح على متن الكتاب، وأحيانا بإضافة الحواشي والملاحق حتى خرج الكتاب سنة 1953م بصورته النهائية، ولعل هذا بعض ما يفسر طول المرحلة بين الفراغ من التحرير وطبع الكتاب، والمقدرة بثمان سنوات. وحسب رسالة بعث بها مدير مطبعة ابن خلدون _وهو السيد بابا أحمد علي_ للشيخ الجيلاني بن عبد الحكم بتاريخ 23 جوان 1953م، يخبره فيها بأنه طبع 1000 نسخة من الكتاب بتكلفة إجمالية تقدر بـ 320000 فرنك فرنسي. إن دواعي تأليف هذا الكتاب _كما صرَّح بذلك المؤلف في مقدمة كتابه_ تعود بالدرجة الأولى إلى رغبته في التعريف بأولاد جدِّه سيدي يحيى بن صفية المتواجدين في كلٍّ من أولاد نهار والبيض والعطاف، بالإضافة إلى سبب آخر صرَّح به الشيخ المولود فلاق المجاجي في التقييد الذي كتبه للمؤلف حول أشراف مجاجة جاء فيه أن المؤلف: "عزم على أن يجعل تأليفا يذكر فيه أشياخه وتلامذته، وأن يبين مناقب من فتح الله عليه على يده، ويبين فيه نسبه وأجداده، ويشرح نسب وسيرة كل من له به معرفة، ومن هو معتبر من أهل الخير والصلاح كما هو دأب المؤلفين، ولأجل ذلك بدا له أن يذكر من اشتهر عنده بالشرف والعلم والعمل، سواء من كان في بلده أو في غير بلده، راجيا بذلك فضلهم وبركاتهم وتذكرة لمن أتى بعده ورحمة له بعد وفاته بل وفي حياته". وعلى هذا فالكتاب يتكون من ثلاثة أقسام ومقدمة: جعل المؤلف المقدمة في فضل علم الأنساب، ثم سجل محطات هامة من السيرة النبوية والخلافة الراشدة، بقصد التبرك بالافتتاح بسيرة المصطفى وخلفائه الراشدين، كما درج على ذلك جلُّ المؤرخين والمهتمين بالتأريخ لآل البيت. القسم الأول: حول أولاد سيدي يحيى بن صفية، واعتمد في هذا القسم على تقاييد أملاها كلٌ من السيد العربي بن يحيى بن العباس _قائد أولاد نهار الشراقة_ وشقيقه السيد الجيلاني _قائد أولاد نهار الغرابة_ على الشيخ عبد الرحمن بويدية _إمام مسجد العريشة بتلمسان_ بالإضافة إلى تقاييد جاءته من البيض كتب له بها السيد عبد الرحمن بسايح _مقدم الطريقة القادرية وأحد أعيان القراريج بالبيض_ بالإضافة إلى تقاييد آل عتبة بالعطاف، ولم يكتف الشيخ بمجرد النقل الحرفي للتقاييد، وإنما كان يعلِّق على البعض بالإضافة والاثراء والتصويب. وجاء هذا القسم في 112 صفحة. القسم الثاني: جعله المؤلف خاتمة لكتابه، ويضم ترجمته، وتراجم شيوخه وأشياخ شيوخه على الترقي، فتحدث عن نشأته العلمية ومدرسته الفقهية التي أسسها بالعطاف ثم انتقاله للأصنام وتأسيسه لمدرسة الفلاح، إلا أن الملاحَظ أنه أطلق العنان لقلمه حين تحدث عن شيخه سيدي الحاج بن شرقي، فقد أحاط بجوانب كثيرة من حياته ومناقبه، ثم استطرد في هذا القسم فذكر أشهر الزوايا في الجزائر والمغرب الأقصى، وقد جاء هذا القسم في 193 صفحة. القسم الثالث: ضمَّ فصلين أولهما في التعريف بطلبته المتخرجين على يديه من مدرسة العطاف ومدرسة الفلاح بالأصنام، وقد ضم هذا الفصل 79 ترجمة تختلف في طولها وقصرها من تلميذ لآخر، أما الفصل الثاني فأفرده لذكر مشاهير العلماء بالقطر الجزائري من معاصريه سواء ممن له معرفة مباشرة بهم أو ممن اشتهر ذكرهم وعم نفعهم، فترجم لـ 41 شخصية علمية، واكتفى بسرد 27 اسما آخر لشيوخ من مختلف جهات الوطن، وجاء هذا القسم في 94 صفحة. وكان الشيخ في أثناء ذلك يعرِّف بمختلف المناطق والمدن التي يسوقه الكلام إليها، فتحدث عن سبدو والعريشة والعطاف والأصنام _وقد خصَّها بمزيد تفصيل_ كما تحدث عن تيارت وأم العساكر وسيق والمحمدية وغليزان وزمورة وعين الدفلة ومليانة والبليدة وتلمسان وسعيدة ومازونة ومنداس، وعند تعريجه على ذكر قرية أو مدينة إلا وذكر أعيانها وعلماءها ومشاهيرها وأشرافها، وقد تجاوزت عدد التراجم المبثوثة بين دفتي الكتاب 270 ترجمة، مما جعله بحق "مرآة" عاكسة للواقع الذي كانت تعيشه الجزائر قبيل اندلاع الثورة التحريرية.