عن الكتاب

إن لحظةً خلاّقة، تكون أحياناً أهم بما لا يقاس من دهرٍ "ممعوس وبلا طعمة". على مقعدٍ وحيد في حديقة "كولونيّة" هنا في مدينة كولونيا بغرب ألمانيا، كنتُ جالسة. عينايَ ذاهلتان تنظران في كل شيء ولا تريان شيئاً. فقط تريان أن لا شيء يستحق تعبّه. كنت ساهمة وغارقة في التفكير في اللاشيء، أشرد فيَّ ماضياً وحاضراً ومستقبلاً؛ فأكتئب. أشرد في المحيط فتزداد الكآبة. أكلّم الهواء والخواء. فجأةً هدَّتْ فراشة بجانبي على المقعد. راحت تنظر إليّ بعينين ساحرتين تطلان قليلاً من تحت خوذة من شأنها الوقاية من الصدمات، وراحت شفتاي تفترّان عن ابتسامة تتسع ببطء كذراعَي راقصة باليه تنفردان برقّة وترتفعان لتلتقيا فوق الرأس قبالة وجه مرفوع كمثل بدر فضيّ. لم أنبس بكلمة، غير أني كنت أتلقى بحكمة وشغف كل ما كانت الفراشة ترسله من عينيها. كانت تقول: "لا شيء يستحق هذا الحزن المسكوب من عينيكِ". صرت أرقب وجهي في وجهها، فأرى كيف تودّع ملامحه حزنها وكآبتها، لتمتزج في ملامح البراءة والحب والسعادة القصوى. صار جمال وجهي الحقيقي يظهر من خلف القضبان، متوحداً وجمال وجه الفراشة. ما كنت لأتصور أنه صاف ورائق إلى هذا الحد!. وقبل أن تحطّ الفراشة على روحي مستولية عليها، كنت قد نسيت الدنيا وما فيها