عن الكتاب
جودفري دافنبورت : مؤلف القوانين الخاصة بالحياة الزوجية في الإسلام وعجائب القرآن مِن الضَّروريِّ أن نَتَذكَّر أَننَا فِي هَذِه الحيَاة لِفتْرة قَصِيرَة جِدًّا ، وَهَدفنَا لَيْس الاسْتمْتاع بِمتاع الدُّنْيَا والرَّغبات الجسديَّة ، بل الهدف هُو عِبادة اَللَّه . أَعطَى اَللَّه المسْلمين مُهمَّة مُحَددَة فِي الحيَاة ، وَهِي عِبادة اَللَّه وَحدَه ، وَهذَا يَعنِي عدم الانْغماس بِشَكل مُفْرِط فِي متاع الدُّنْيَا ، بِمَا فِي ذَلِك قَضَاء ساعات عَدِيدَة فِي مُصَاحبَة أَفرَاد الجنْس الآخر ، حَتَّى ولو كَانَت الزَّوْجة الشَّرْعيَّة . الهوس بِالْعلاقات الجسديَّة والْجنْسيَّة يُدمِّر النَّفْس البشريَّة . حَتَّى لَو كان ذَلِك مَشرُوعا دَاخِل الزَّوَاج ، فَإِنهَا رَفاهِية وأيُّ رَفاهِية يَنغَمِس النَّاس فِيهَا بِشَكل مُفْرِط ، يتعرَّضون لِمشاقَّ جَسِيمَة بِسببِهَا . حَتَّى لَو تَناوَل شَخْص مَا اَلكثِير مِن السُّكَّر ، فَإنَّه يُصَاب مرض بِالسُّكَّريِّ . يَتَعرَّض المسْلمون لِلْإهانة والْمعاناة فِي جميع أَنحَاء العالم بِسَبب هذَا المرض اَلجنْسِي . لَا أَستطِيع أن أَتحَمل سَمَاع الكلَام العامِّيِّ مِن الجهَلة عِنْدمَا يتحدَّثون عن الأنْشطة الجنْسيَّة ويسْتخْدمون الأحاديث النَّبويَّة لِنَشر مَبادِئ مُضَللَة . يُثير غَضبِي رُؤيَة النَّاس عندما يسْتخْدمون الإسْلام لِتحْقِيق رغباتهم الشَّخْصيَّة . الزَّوَاج وَالجِنس لَيسَا هُمَا الهدف مِن الحيَاة بِالنِّسْبة لِلْمسْلمين . مَا يُهِم هُو حُبُّ اَللَّه . حَتَّى لَو اِعتبَر شَخْص مَا الزَّوَاج ضَرورِيا ، فلَا يَنبَغِي أن يُقْنِع اَلجمِيع بِالزَّواج فقط لِأنَّنَا نَعتَقِد أَنَّه صَوَاب . كَانَت مَريَم بِنْتُ عِمْرَان عَازِبة . أحبَّهم اَللَّه . و الانْغماس فِي أيِّ نَوْع مِن اَلمُتع يَضُر بِالْبشريَّة . لَم يُرْسِل المؤْمنون إِلى هذَا العالم لِلاسْتمْتاع بِالتَّرف . أَننَا خُلِقنَا لِنعْبد اَللَّه ونطيعه وَرسُوله . عاش نَبِينَا مُحمَّد ( صَلَّى اَللَّه عليْه وَسلَّم ) وفْقًا لِهَذا المبْدأ ، وَعلَى الرَّغْم مِن أَنَّه كان يُمْكِنه أن يَكُون ثريًّا جِدًّا مِن خِلَال القيَام بِأعْمَال تِجارِيَّة كَثِيرَة ، اِخْتَار أن يظلَّ فِي فَقْر حَتَّى وَفاتِه ما الهدف من مجيئي إلى هذه الحياة؟ أتراني خُلقت عبثًا لا هدف من وراء وجودي في هذه الحياة؟ أم أن هناك هدفًا من وراء وجودي؟ كيف أتيت إلى هذه الحياة؟ هل وُجدت مصادفة كما يقول بعضهم؟ وما مدى صدقية هذا الأمر؟ هل تستطيع المصادفة أن توجد كل هذا الجمال والكمال في كل شيء في الكون؟ هل لهذه النظرية نصيب من الصحة في عصر العلم؟ أم أن الطبيعة هي التي أوجدتني كما يقول بعضهم الآخر؟ وما هي تلك الطبيعة؟ ما حقيقتها وما معناها؟ هل تستطيع الطبيعة أن تنفرد بالخلق؟ هل هي شيء واحد أم أشياء كثيرة متعددة ومتنوعة؟ هل لها عقل يدبّر لها أم أنها لا عقل لها؟ وهل يستطيع ما لا عقل له أن يخلق العاقل المفكر؟ أم أن هناك إلهًا خلق كل هذا الكون وأبدع خلقه وأتقنه، ووضع كل شيء في موضعه، بحيث لو لم يكن كل شيء كما نراه الآن لانعدمت الحياة؟ وهل قصد هذا الإله ذلك لنتبين حكمته؟ ونعرف دقته وبديع صنعته؟ يقول اللَّه تعالى في محكم تنزيله: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) الروم جاءت هذه الآيات موضوع هذا المقال في مطلع سورة الروم، وهي سورة مكيّة تمثل العقيدة محورها الرئيس، كما هو الحال مع كل سور القرآن المكي، وقد نزلت هذه الآيات عندما هُزمت الرومُ في حربها ضد الفرس وكان ذلك في أوائل عصر النبوّة، وفي الآيات دلائل إعجاز غيبية باهرة، حيث أخبر القرآن الكريم بأمور تقع في المستقبل، فجاءت كما أخبر، لم تتخلف أو تتغير، وهذا ما لا سبيل للبشر إليه بحال. في هذه الآيات يتحدّث القرآن عن أمر غيبي مستقبلي لم يستطع أحد في ذلك الزمان أن يمنع حدوثه أو يكذّبه أحد من أعداء القرآن، بل لم يكن أحد يتوقع حدوثه؛ فقد خسرت الروم في هذه المعركة خسائر فادحة جعلت مُعاصريهم يتوقعون دمارًا كاملًا لإمبراطوريتهم، بيد أن ما حدث لاحقًا لم يكن متوقعًا؛ إذ إنه وفي أقل من عشر سنوات وقعت معارك حاسمة بين الفرس والروم، وانقلبت موازين القوى بشكل مفاجئ لمصلحة الروم وغلبوا الفرسَ واستردوا أراضيهم التي استولى عليها الفرس، كما أخبر القرآن الكريم بذلك من قبل، وكان ذلك سببًا في إسلام كثير من غير المسلمين الذين عاصروا تلك الأحداث وكانوا يترقبون تحقق هذه النبوءة القرآنية التي تعد من الآيات والدلائل الواضحة على صدق مُحمَّد -صلى الله عليه وسلم-، وأنه رسول الله حقًا. القرآن الكريم.. كلام اللَّه عزّ وجلّ ووحيه ونوره وهداه. لم ينزِّل اللَّه عزّ وجلّ على أمَّة من الأمم كتابًا يضاهي في عظمته هذا القرآن. ولم يؤيّد اللَّه عزّ وجلّ نبيًّا من أنبيائه بمعجزة أعظم من معجزة القرآن. فالقرآن العظيم هو خاتم كتب اللَّه إلى البشرية، وأعظمها وأعزّها وأجلّها. إن كل حرف من حروف هذا القرآن العظيم آية من آيات اللَّه عزّ وجلّ. بل إن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي تنطق أرقامه وأعداده كما تنطق حروفه وكلماته. ولحروف القرآن عجائب تبهر كل من يتأمّل نظمها.. فالقرآن كلام اللَّه المحكم على الإجمال والتفصيل.. محكم على مستوى السورة كما هو محكم على مستوى الآية.. محكم على مستوى الكلمة كما هو محكم على مستوى الحرف.. حروفه الهجائية هي أحد أوجه الإعجاز فيه.. الترتيب الهجائي للحروف يمثل إحدى الركائز الأساسية في البناء الرقمي للقرآن.. رغم أن العرب لم تعرف هذا الترتيب إلا بعد 80 عامًا من انقطاع الوحي، وهذا قمة الإعجاز.. تأمّلوا معي نموذجًا يبهركم بالارتباط العجيب بين النص القرآني والترتيب الهجائي لحروفه.. تأمّلوا.. إن أكثر كلمة تكرّر ذكرها في القرآن هي اسم الله. وإن أكثر رقم تكرّر ذكره في القرآن هو الرقم واحد. والآن تأمّلوا هذا الإيقاع الخُماسي العجيب: ورد لفظ (واحد) في القرآن 25 مرّة، أي 5 × 5 ورد لفظ (إحدى) في القرآن 5 مرّات. ورد لفظ (إحداهما) في القرآن 5 مرّات. ورد لفظ (أحدهما) في القرآن 5 مرّات. ورد لفظ (واحدًا) في القرآن 5 مرّات. ورد لفظ (أحدًا) في القرآن 20 مرّة أي 5 × 4 خُماسية الجن العجيبة! انتقلوا معي إلى سورة الجن.. لنرى وجه آخر لهذه المنظومة الخُماسية العجيبة.. في سورة الجن هناك 5 آيات تنتهي بكلمة (أَحَدًا)، وهي: يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) مجموع كلمات هذه الآيات الخمس = 41 كلمة. 41 هو مجموع تكرار أحرف اسم الله ضمن الحروف المقطَّعة. والأمر العجيب والمذهل حقًّا أن مجموع أرقام هذه الآيات الخمس = 73 73 هو مجموع الترتيب الهجائي لأحرف اسم الله! مجموع العددين 41 + 73 = 114 وهو عدد سور القرآن! روابط رقمية مذهلة! مزيد من التأكيد.. حرف الألف ترتيبه في قائمة الحروف الهجائية رقم 1 حرف اللّام ترتيبه في قائمة الحروف الهجائية رقم 23 حرف اللّام ترتيبه في قائمة الحروف الهجائية رقم 23 حرف الهاء ترتيبه في قائمة الحروف الهجائية رقم 26 هذه هي أحرف اسم اللّه ومجموع ترتيبها الهجائي = 73 تأمّلوا.. حرف الألف تكرّر ضمن الحروف المقطَّعة 13 مرّة. حرف اللّام تكرّر ضمن الحروف المقطَّعة 13 مرّة. حرف اللّام تكرّر ضمن الحروف المقطَّعة 13 مرّة. حرف الهاء تكرّر ضمن الحروف المقطَّعة مرّتين اثنتين. وهذه هي أحرف اسم اللّه أيضا.. تكرّرت ضمن الحروف المقطّعة 41 مرّة. مجموع العددين 41 + 73 يساوي 114، وهذا هو عدد سور القرآن الكريم! النتيجة نفسها والدلالة الرقمية ذاتها. ولكن هل لاحظتم شيئًا؟ مجموع الترتيب الهجائي لأحرف اسم الله = 73، وهذا العدد أوّليّ. مجموع تكرار أحرف اسم الله ضمن الحروف المقطّعة = 41، وهذا العدد أوّليّ أيضًا. وأنتم تعلمون أن الأعداد الأوّليّة لا تقبل القسمة إلا على نفسها أو على الرقم واحد فقط. تأمّلوا كيف تنطق الأرقام بوحدانية الله سبحانه وتعالى! إنها الفطرة السليمة التي فطر الله عليها كل شيئ من خلقه! استقام على هذه الفطرة من استقام وتمرّد عليها من تمرّد! تأملوا لفظ (قرآن).. حرف القاف تكرّر في هذه الآيات الخمس مرّة واحدة. حرف الراء تكرّر في هذه الآيات الخمس 6 مرّات. حرف الألف تكرّر في هذه الآيات الخمس 34 مرّة. حرف النون تكرّر في هذه الآيات الخمس 12 مرّة. وهذه هي أحرف لفظ (قرآن) وتكرّرت في الآيات الخمس 53 مرّة. تأمّلوا اسم الله (منزّل القرآن).. حرف الألف تكرّر في هذه الآيات الخمس 34 مرّة. حرف اللّام تكرّر في هذه الآيات الخمس 18 مرّة. حرف الهاء تكرّر في هذه الآيات الخمس 9 مرّات. هذه هي أحرف اسم الله دون تكرار اللّام وتكرّرت في الآيات الخمس 61 مرّة. اكتمال الصورة.. أحرف لفظ (قرآن) وتكرّرت في الآيات الخمس 53 مرّة. أحرف اسم الله دون تكرار اللّام وتكرّرت في الآيات الخمس 61 مرّة. مجموع العددين 53 + 61 يساوي 114 نعم.. إنه عدد سور القرآن الكريم! النتيجة نفسها والدلالة الرقمية ذاتها؟ هل لاحظتم شيئًا؟ مجموع تكرار أحرف لفظ قرآن في الآيات الخمس = 53، وهذا العدد أوّليّ. مجموع تكرار أحرف اسم الله في الآيات الخمس = 61، وهذا عدد أوّليّ. الفطرة الرقمية ذاتها تتجلى بكل الوجوه! رغم ذلك كله.. قد يعاند البعض ويجادل.. قد يقول لماذا لا نعتبر أحرف اسم الله الأربعة بما في ذلك حرف اللّام المكرّر؟ حسنًا نفعل ذلك.. فتأمّلوا ماذا سيحدث: حرف الألف تكرّر في هذه الآيات الخمس 34 مرّة. حرف اللّام تكرّر في هذه الآيات الخمس 18 مرّة. حرف اللّام تكرّر في هذه الآيات الخمس 18 مرّة. حرف الهاء تكرّر في هذه الآيات الخمس 9 مرّات. هذه هي أحرف اسم الله الأربعة باعتبار حرف اللّام المكرّر.. لقد تكرّرت هذه الأحرف الأربعة في الآيات الخمس 79 مرّة. والعدد 79 أوّليّ لا يقبل القسمة إلا على نفسه أو على الرقم واحد فقط. حقًّا.. لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.