عن الكتاب
سلسلة الكامل / 206 / الكامل في أسانيد وتصحيح حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة من خمسة عن النبي وبيان قيامه مقام الحديث المكذوب اختلاف أمتي رحمة يقول المؤلف : روي ابن حميد في مسنده ( المطالب العالية / 4159 ) عن ابن عمر أن رسول الله قال مثل أصحابي مثل النجوم يهتدي بهم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم . ( حسن لغيره ) وروي العدني في مسنده ( المطالب العالية / 4158 ) عن أنس عن النبي قال مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم يهتدون بها إذا غابت تحيروا . ( حسن لغيره ) وروي البيهقي في المدخل ( 152 ) عن ابن عباس قال قال رسول الله مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحد في تركه ، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية ، فإن لم يكن سنتي فما قال أصحابي ، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم ، واختلاف أصحابي لكم رحمة . ( حسن لغيره ) وهو حديث مروي عن ابن عمر وجابر وأنس وأبي هريرة وابن عباس . وفي الكتاب السابق رقم ( 189 ) ( الكامل في أحاديث علم القرآن والسنن وما ورد في تعلمه وتعليمه من أمر وفضل ووعد وفي الجهل به من نهي وذم ووعيد / 1400 حديث ) ، كان من الأحاديث الواردة فيه حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . _ والحديث مشهور عند كثير من الناس أنه ضعيف ، فآثرت إفراد جزء في هذا الحديث لجمع أسانيده وبيان أن له خمس طرق عن النبي ، وكل منها طريق ضعيفة لكن ضعفها خفيف ينجبر بالمتابعات ، وبضم الخمسة طرق مع بعضها يثبت أن الحديث له أصل عن النبي . _ وإن كان العذر قائم لبعض الأئمة السابقين في تضعيف الحديث لعدم وقوفهم علي كل طرقه فما عذر هؤلاء المضعفين الآن عند الوقوف علي كل أسانيد الحديث ورؤيتها مجتمعة . _ أما من قال أن الحديث متروك بل وتعنت بعضهم تعنتا بالغا شديدا عجيبا فقالوا مكذوب ، فهؤلاء في درجة من التعنت ما بلغها بالغ في الحكم علي الأحاديث ، ولم ينطق بذلك الأئمة الأوائل وأقصي ما قالوا في هذا الحديث أنه ضعيف فقط ، بل ويعمل بالضعيف أكثر الأئمة بل يكاد كل الأئمة يعمل ببعض الأحاديث الضعيفة في عدد من الأمور والمسائل . _ وإن سلمنا جدلا وتنزلا وعلي مضض شديد أن كل طريق من طرق الحديث الخمسة ضعيفة جدا لظل اجتماع خمسة طرق ضعيفة جدا ترفع الحديث عن الترك والضعف الشديد وتجعله ضعيفا فقط . _ وقد احتج بهذا الحديث عدد من الأئمة منهم : أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء ( 35 ) ، وابن أبي يعلي في طبقات الحنابلة ( 2 / 21 ) ، وابن أبي حافظ المقدسي في تحريم نكاح المتعة ( 78 ) ، وقوام السنة الأصبهاني في الحجة ( 1 / 289 ) ، والحازمي في الاعتبار ( 22 ) ، وغيرهم . -------------------------- __ من أقوال الأئمة في تأويل هذا الحديث : _ قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم ( 2 / 924 ) ( الاقتداء بأصحاب النبي منفردين إنما هو لمن جهل ما يسأل عنه ، ومن كانت هذه حاله فالتقليد لازم له ، ولم يأمر أصحابه أن يقتدي بعضهم ببعض إذا تأولوا تأويلا سائغا جائزا ممكنا في الأصول ، وإنما كل واحد منهم نجم جائز أن يقتدي به العامي الجاهل بمعني ما يحتاج إليه من دينه وكذلك سائر العلماء مع العامة والله أعلم ) _ قال الملا القاري في الأسرار المرفوعة ( 84 ) ( حديث اختلاف أمتي رحمة : زعم كثير من الأئمة أنه لا أصل ه ، لكن ذكره الخطابي في غريب الحديث مستطردا وأشعر بأن له أصلا عنده ، وقال السيوطي أخرجه نصر المقدسي في الحجة والبيهقي في الرسالة الأشعرية بغير سند ، وأورده الحليمي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم ، ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا والله أعلم ) أقول ليس حديث يفوت بالكلية ، نعم قد تفوت بعض الأسانيد ، وقد يفوت متن حديث لكن يقوم مقامه متون أخري في نفس المسألة ، أما أن يفوت حديث بالكلية فلا يكون ، ولعل من ذكر الحديث من الأئمة إنما أراد حديث ( اختلاف أصحابي لكم رحمة ) فذكره بالمعني فقال ( اختلاف أمتي رحمة ) . ويكفي في بيان كذب حديث اختلاف أمتي رحمة أنه ظهر بعد مئات السنين بعد النبي بغير إسناد ، فهذا كافٍ في إثبات أن الحديث مختَلَق مكذوب ألّفه بعض الكذبة ونسبوه للنبي . لكن معناه ليس بالضرورة خطأ ، ويغني عنه حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . ومراده الاقتداء بهم في أصول الاستدلال إذ لو أراد الاستدلال بكل قول قالوه وكل حكم حكموا به لكان ذلك يعني أنهم معصومون وليس هذا المراد ، بل المراد أن أيا من الصحابة طريقته صحيحة في النظر والاستدلال ثم إن أخطأ في حكم ها هنا أو هناك فلا عتب عليه ولا يأثم ولا يُتابَع علي خطئه . وليس كل اختلاف ينبغي اتباعه أو الإقرار به ، وإلا فأشد مثال في ذلك هو فعل الصحابي الكبير المشهور عبد الله بن مسعود مع المعوذتين ، سورة الناس وسورة الفلق ، فثابت مشهور عن ابن مسعود أنه كان يقول أنهما ليستا من القرآن وكان يمحوهما من مصحفه . والصحيح الثابت عن النبي أن هاتين السورتين من القرآن ، وأخطأ ابن مسعود فيما قال ، وإن اتبعه أحد في ذلك لأخطأ ولقال في القرآن ما لا ينبغي قوله ، وهذا مثال كبير شديد يبين بوضوح أن ليس كل قول ينبغي اتباعه أو حتي الإقرار به وإلا فها هو المثال أمامك فهل تقول أن المعوذتين ليستا من القرآن أو تعتبر الخلاف في ذلك سائغا . _ وقال البيهقي ( الاعتقاد للبيهقي / 1 / 233 ) بعد حديث تفترق أمتي علي ثلاث وسبعين فرقة ( وقد ذكرنا في كتاب المدخل وغيره الخلاف المذموم ما خولف فيه كتاب أو سنة صحيحة أو إجماع أو ما في معنى واحد من هؤلاء وذلك كخلاف من خالف أهل السنة فيما أشرنا إليه في هذا الكتاب فقد قال الله عز وجل ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) ، وقد جاء الكتاب ثم السنة ثم إجماع الصحابة بإثبات ما أثبتناه من صفات الله عز وجل ورؤيته وشفاعة نبيه وغير ذلك ، فمن نفاه واختلف فيه كان ذلك اختلافا بعد مجيء البينة ورد من رد ما ورد فيه من السنة الثابتة جهالة منه بلزومه اتباع ما بلغه منه وتأويل من تأول ما ورد فيه من الكتاب غير سائغ في الشريعة ، فلا وجه لترك الظاهر إلا بمثله أو بما هو أقوى منه والله يعصمنا من ذلك برحمته ، ويشبه أن يكون اختلاف هؤلاء وأمثالهم أريد بما روينا في حديث أبي هريرة والذي يؤكده ما روي في حديث معاوية في هذا الحديث أنه قال كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة ، وفي حديث عمرو بن عوف إلا واحدة الإسلام وجماعتهم ، وفي حديث عبد الله بن عمرو إلا واحدة ما أنا عليه وأصحابي ، وإنما اجتمع أصحابه على مسائل الأصول فإنه لم يرو عن واحد منهم خلاف ما أشرنا إليه في هذا الكتاب ، فأما مسائل الفروع فما ليس فيه نص كتاب ولا نص سنة فقد اجتمعوا على بعضه واختلفوا في بعضه ، فما أجمعوا عليه ليس لأحد مخالفتهم فيه ، وما اختلفوا فيه فصاحب الشرع هو الذي سوغ لهم هذا النوع من الاختلاف حيث أمرهم بالاستنباط وبالاجتهاد مع علمه بأن ذلك يختلف ، وجعل للمصيب منهم أجرين وللمخطئ منهم أجرا واحدا ، وذلك على ما يحتمل من الاجتهاد ورفع عنه ما أخطأ فيه ، أخبرنا .. عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب كان له أجران فإن اجتهد فأخطأ كان له أجر ، قال الشيخ فهذا النوع من الاختلاف غير ما ذم الله تعالى وذمه رسوله محمد فيما روينا ، وكان الشافعي رحمه الله يجعل هؤلاء المختلفين في معنى المجتمعين حيث إن كل واحد منهم أدى ما كلف من الاجتهاد ولم يخالف كتابا ولا سنة قائمة بلغته ولا إجماعا ولا قياسا صحيحا عنده ، إنما نظر في القياس فأداه إلى غير ما أدى إليه صاحبه ، كما أداه التوجه إلى البيت بدلائل النجوم وغيرها إلى غير ما أدى إليه صاحبه ، فكل واحد منهم يكون مؤديا في الظاهر ما كلف ويرفع عنه إثم ما غاب عنه أو أخطأه من التأويل الصحيح أو السنة الصحيحة أو القياس الصحيح إذ لم يكلف علم الغيب ، فمن سلك من فقهاء الأمصار سبيل الصحابة والتابعين فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه كانوا كالفرقة الواحدة وهي الفرقة الناجية التي أشار إليها رسول الله ، فكل منهم أخذ بوثيقة فيما يرى فيما تبع فيه من الكتاب أو السنة أو الإجماع وبالله التوفيق ، وأما تخليد من عداهم من أهل البدع في النار فهو مبني على تكفيرهم فمن لم يكفرهم أجراهم بالخروج من النار بأصل الإيمان مجرى الفساق المسلمين وحمل الخبر على تعذيبهم بالنار مدة من الزمان دون الأبد ، واحتج في ترك القول بتكفيرهم بقوله تفترق أمتي ، فجعل الجميع مع افتراقهم من أمته والله أعلم )