الكامل في أحاديث كان النبي يخيّر المشركين بين الإسلام والقتل فمن أسلم تركه ومن أبَي قتله ونقل الإجماع علي ذلك وأن ما قبله منسوخ / 350 حديث و50 أثر

إسلاميات

الكامل في أحاديث كان النبي يخيّر المشركين بين الإسلام والقتل فمن أسلم تركه ومن أبَي قتله ونقل الإجماع علي ذلك وأن ما قبله منسوخ / 350 حديث و50 أثر

عن الكتاب

سلسلة الكامل / 50 / الكامل في أحاديث كان النبي يخيّر المشركين بين الإسلام والقتل فمن أسلم تركه ومن أبَي قتله ونقل الإجماع علي ذلك وأن ما قبله منسوخ / 350 حديث و50 أثر   يقول المؤلف : بعد كتابي الأول ( الكامل في السُّنن ) أول كتاب علي الإطلاق يجمع السنة النبوية كلها بكل من رواها من الصحابة بكل ألفاظها ومتونها المختلفة ، من أصح الصحيح إلي أضعف الضعيف ، مع الحكم علي جميع الأحاديث ، وفيه ( 63,000 / الإصدار الرابع ) ثلاثة وستون ألف حديث ، آثرت أن أجمع الأحاديث الواردة في بعض الأمور في كتب منفردة ، تسهيلا للوصول إليها وجمعها وقراءتها .   _ روي أبو داود في سننه ( 3044 ) عن ابن عباس قال جاء رجل من الأسبذيين من أهل البحرين وهم مجوس أهل هجر إلى رسول الله فمكث عنده ثم خرج فسألته ما قضى الله ورسوله فيكم ؟ قال شَرّ ، قلت مه ؟ قال الإسلام أو القتل . ( صحيح لغيره )   وروي الضياء في المختارة ( 230 ) عن عمر بن الخطاب قال لولا أني سمعت النبي يقول إن الله سيمنع الدين بنصارى من ربيعة على شاطئ الفرات ما تركت عربيا إلا قتلته أو يسلم . ( صحيح )   _(1)_ قال الإمام الطبري في تفسيره ( 5 / 414 ) ( كان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم أنه أكره علي الإسلام قوما فأبي أن يقبل منهم إلا الإسلام وحكم بقتلهم إن امتنعوا عنه ، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب وكالمرتد عن دينه دين الحق إلي الكفر ومن أشبههم ، وأنه ترك إكراه آخرين علي الإسلام بقبوله الجزية منه وإقراره علي دينه الباطل ، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم وذلك قوله ( لا إكراه في الدين ) )   _(2)_ جاء في فتح الباري لابن حجر ( 6 / 260 ) عن أبي عبيدة قال ( علي هذا تتابعت الآثار عن النبي والخلفاء بعده في العرب من أهل الشرك أن من كان منهم ليس من أهل الكتاب فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل )   _(3)_ قال ابن حزم في المحلي ( 4 / 414 ) في مسألة لا يقبل من كافر إلا الإسلام أو السيف وقوله في الآية ( لا إكراه في الدين ) قال ( قد صح أن النبي أكره مشركي العرب علي الإسلام ، فصح أن هذه الآية ليست علي ظاهرها ، وإنما هي فيمن نهانا الله أن نكرهه ، وهم أهل الكتاب خاصة ، وقولنا هذا هو قول الشافعي وأبي سفيان ) _(4)_ قال الشافعي في الأم ( 4 / 184 ) ( وكل من دخل عليه الإسلام ولا يدين دين أهل الكتاب ممن كان عربيا أو أعجميا فأراد أن تؤخذ منه الجزية ويقر علي دينه أو يدين دين أهل الكتاب فليس للإمام أن يأخذ منه الجزية وعليه أن يقاتله حتي يسلم كما يُقاتَل أهل الأوثان حتي يسلموا ) وقال ( 4 / 182 ) ( فرّق الله لا معقب لحكمه بين قتال أهل الأوثان ففرض أن يُقاتَلوا حتي يسلموا وقتال أهل الكتاب ففرض أن يُقاتَلوا حتي يعطوا الجزية أو أن يسلموا )   يعني قوله تعالي ( التوبة / 29 ) ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتي يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) _(5)_ روي ابن أبي حاتم في تفسيره ( 1089 ) والبيهقي في السنن الكبري ( 9 / 19 ) وغيرهم عن ابن عباس ( حبر الأمة وترجمان القرآن ) في قوله تعالي ( فاعفوا واصفحوا حتي يأتي الله بأمره ) قال ( نُسِخ ذلك كله بقوله ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وقوله ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر حتي قوله وهم صاغرون ) فنسخ هذا عفو المشركين )   _(6)_ جاء في موسوعة الفقه الكويتية لمجموعة من الدكاترة ( 16 / 162 ) ( يقاتَل أهل الكتاب والمجوس حتي يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، لأنه يجوز إقرارهم عن دينهم بالجزية ولقوله تعالي ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتي يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ،     فإن بذلوا الجزية عقدت لهم الذمة ، وكان لهم بذلك الأمان والعصمة لدمائهم وأموالهم إلا بحقها ، ويقاتل من سواهم من الكفار حتي يسلموا لأنه لا يجوز إقرارهم علي الكفر ولقول النبي أمرت أن أقاتل الناس الحديث )   __ وذكرت بعد المقدمة آثارا عن الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء كلهم يقولون نفس هذا الكلام ، وأن النبي لم يقبل من المشركين إلا الإسلام وإما القتل ، وأن ما قبل نزول سورة براءة وقوله ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) منسوخ ، وذكرت ( 50 ) أثرا ، وكان بالإمكان الاستطراد أكثر إلا أن الكتاب في الأصل لجمع الأحاديث وليس الآثار .   __ وهذا كان مشهورا أيضا بين المشركين أنفسهم في عهد النبي ، وورد في بعض الآثار أن الناس بعد فتح مكة كانوا يقولون ( قد ظهر النبي بالسيف وأداخ العرب وأدان له الناس )   __ وذكر البعض خلافا في المشركين من غير العرب مثل قول أبي حنيفة ، إذ قال تقبل الجزية من المشركين العجم أي غير العرب ، وهذا وإن خالفه الأكثرون ولم يرضوا بالتفريق في مثل هذا لمجرد أن هذا عربي وهذا غير عربي ، إلا أنه وافقهم في الأصل نفسه ، فلم يقل لهم ماذا تقولون ولا نُكره أحدا ،   بل تابعهم في أصل مسألة الإكراه وأنه لا يُقبل من مشركي العرب إلا الإسلام وإما القتل . هذا بخلاف أنه إن أخذ آخذٌ بقول الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء فلا تستطيع أن تقول له لقد خالفت الإسلام كليا وأتيت ببدع من القول ، بل يكون حينها أصلا هو الآخذ بقول الجمهور .   ----------------------------------   __ ثم أتبعت هذه الآثار بالأحاديث الواردة في المسألة مثل :   _ أحاديث كان النبي يخيّر المشركين بين الإسلام وإما القتل ، وهي لا تحتاج لبيان .   _ أحاديث لما نزلت سورة براءة وقوله تعالي ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) بعث النبي إلي المشركين أن أمامكم أربعة أشهر ثم كل عهد لاغي وآذن الناس كلهم بالقتل إلا أن يؤمنوا . وهذا أيضا من أصرح وأشد الدلائل في المسألة إذ هؤلاء أناس كان بينهم وبين النبي عهد أصلا ولا يحاربونه ومع ذلك أرسل إليهم أن تلك العهود لاغية .   _ أحاديث أن النبي أنكر علي بعض الصحابة في الحرب حين قتلوا من قال لا إله إلا الله وهم يظنون أنه قالها تعوذا من القتل . والشاهد فيها أنه إن كان القتال لرد الاعتداء فلا فرق تسمع شهادتهم أو لا ، لأنك تحارب علي رد الاعتداء فمتي كفوا الاعتداء كففت الحرب ، أما إن كنت تقاتلهم حتي يقولوا لا إله إلا الله فحينها يتوقف قتالك لهم إن قالوها .   وأما قوله في هذه الأحاديث ( تريدون عَرَضَ الدنيا ) وذلك لأن في الأحاديث من قتل كافرا فله سَلَبه أي ما معه من مال ومتاع ، والرجل المقتول كان صاحب غنم وإبل ومن كان يقتله سيأخذ هذه الغنيمة من غنم وإبل .   _ أحاديث كان النبي إذا أغار علي قوم تسمّع الإذان ، فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار عليهم . والشاهد فيها أنه إن كان القتال لرد الاعتداء فلا فرق سمع أذانا أو لا ، فأنت تقاتل لرد الاعتداء ، بالضبط حين تقاتل الخوارج مثلا فلا فرق أن تسمع الأذان أو لا ، لأنك لا تقاتلهم حتي يسلموا بل لرد الاعتداء ، أما أن تكف عن القتال حين تسمع الأذان فهذا يعني أنك إنما تقاتلهم أصلا حتي يسلموا ، والأذان من علامات الإسلام .   _ أحاديث كان النبي يبعث للملوك والأمراء والقبائل أسلموا تسلموا . وهذه بمنزلة إعلان حرب ، وورد فعلا في الأحاديث أن بعضهم لما بلغته تلك الرسالة قالوا هي الحرب إذن وقالوا لنملأنها عليك خيلا ورجالا وغيرها من الأقوال التي توحي أنهم اعتبروا ذلك بمثابة إعلان الحرب عليهم .   _ أحاديث كان النبي يرسل رسله إلي البلدان والملوك أن أمامكم إحدي ثلاث ، أن تدخلوا الإسلام وإما أن تعطونا الجزية وأنتم صاغرون وإما أن تقوم الحرب بيننا . وهذا إن قيل لأحد اليوم لكان بمنزلة إعلان حرب ، وورد في الأحاديث أن بعض الملوك والقبائل اعتبروا ذلك إعلان حرب فعلا ،     ولم يرد في أي حديث إطلاقا أن النبي جعل هناك خيارا آخر أن كفوا عنا ونكف عنكم ، بل وأكثر من قاتلهم لم يكونوا محاربين في البداية أصلا ، وإنما لما بلغهم أنه لا يقبل من المشركين إلا الإسلام وإما القتل جمعوا له .   _ أحاديث أمرت أن أقاتل الناس حتي يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله . وسبقت آقوال الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء في المسألة ، من أجل أولئك الذين كلما قيل لهم حديث علي غير الهوي قالوا ليس هذا معناه ، فلعلهم يقولون أن الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء جميعا لم يفهموه أيضا .   _ أحاديث أن النبي لما كان يقتل المشركين أعطي بعضهم أمان شهرين وبعضهم أمان أربعة أشهر فقط . والشاهد فيها أن لو كان يقاتلهم علي رد الاعتداء فقط لأعطاهم الأمان أبد الدهر ما داموا لا يقاتلونه ، أما إعطاء الأمان بضعة أشهر فقط فهذا يبين أنه كان يقاتلهم علي الإسلام كما في باقي الأحاديث .   _ أحاديث أن الطلقاء كانوا مسلمين . أي أولئك الذين عفا عنهم النبي في فتح مكة ، وفي الأحاديث أنهم أسلموا وبايعوا النبي ، وبالتالي لا يصح الاحتجاج بهم في هذه المسألة أصلا .   _ أحاديث أخذ الجزية من المجوس ، وقد اعتبر كثير من الأئمة هذه الأحاديث دليلا علي أن المشركين لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو القتل ، والسبب في ذلك أن الصحابة لما كانوا يحاربون المشركين علي الإسلام ويحاربون أهل الكتاب علي الجزية ، لم يقبلوا الجزية من المجوس حتي شهد بعض الصحابة أن النبي أخذها منهم .   فلو كان حكم المشركين حكم أهل الكتاب وأن الجزية مقبولة منهم لم يكن لتوقفهم معني ، ولم يكونوا سيتوقفون أصلا ، فطالما أن حكمهم مثل أهل الكتاب فكانوا سيأخذون الجزية منهم مباشرة ولا يقتلونهم اقتداء بأهل الكتاب .   إلا أن الصحابة وعلي رأسهم عمر بن الخطاب لم يقبل منهم الجزية وأراد قتلهم ، مما يبين أنه سار بهم علي حكم أهل الشرك وأنه لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو القتل ، لكن لما شهد بعض الصحابة وعلي رأسهم عبد الرحمن بن عوف أن النبي أخذ من المجوس الجزية ، ها هنا توقفوا عن قتلهم وألحقوهم بأهل الكتاب . لذا فهذا أيضا من الأدلة القوية في المسألة ، ومن استدل بهذه الأحاديث من جملة الأدلة لم يُبعِد .   أما المجوس أنفسهم فقد اختلف الصحابة والأئمة فيهم ، هل هم فرقة من أهل الكتاب أم لا ، وقول الإمام الشافعي وغيره فيهم هو الأقرب ، وأنهم ملة من ملل أهل الكتاب ، وكانوا يتبعون كتبا كانت قديمة واندثرت ، مثل صحف إبراهيم وموسي وزبور داود وغير ذلك ،   فللتقريب اعتبرهم كثير من الصحابة والأئمة مثل أهل البدع في الإسلام ، فكما أن هناك مثلا في الإسلام قدرية ومرجئة وخوارج ومعتزلة وشيعة وغير ذلك ، إلا أنهم جميعا ما زالوا في المجمل من ضمن الإسلام ومعدودين من المسلمين ، فكذلك المجوس هم كأهل البدع عند اليهود والنصاري ، وهذا لتقريب المسألة فقط .   _ أحاديث أن النبي أغار علي بني المصطلق وهم غارُّون وأنعامهم تسقي علي الماء   . وسُئل بعض الصحابة والتابعين عن هذا الحديث كيف قاتلهم من غير دعوة ؟ فقالوا ( قد دعوا منذ أياد الدهر ) أي سمعوا بالدعوة من زمن ، وقوله غارون أي لم يكونوا في حرب .   _ أحاديث أن النبي كان يرسل رجالا إلي التماثيل والأصنام ليكسروها ، وإن واجههم أحد رفعوا عليه السيف فإن امتنع وإلا قتلوه . والشاهد فيها أن افترض الأمر كأنه اليوم ، فدخل داخلون علي معابد البوذيين والهنود ومن شابههم كي يكسروا ما فيها من تماثيل فقام هؤلاء لمنعهم فقامت بينهم حروب وقتال وقتل ،     فحينها سيقول الناس لم تقتحمون معابدهم وتكسرون تماثيلهم وهم لا يؤذونكم في شئ ، بل وإن لم يقدروا علي منعهم في بعض الأوقات ستظل تلك الأمور محفورة محفوظة عند الناس حتي إذا قدروا وقوي أمرهم تجدهم يؤذون بعض المسلمين ويضطهدونهم بناء علي أمثال ذلك من أمور .   _ أحاديث نزول عيسي بن مريم وأنه نازل في آخر الزمان وذكر فيها أنه سيلغي الجزية ويقاتل الناس علي الإسلام ولا يقبل منهم إلا الإسلام وإما القتل حتي من أهل الكتاب .   _ أحاديث كان النبي يرسل إلي بعض الأقوام والقبائل أن أسلموا وأقيموا الصلاة وإلا غزوتكم فأقتل الكبير وأسبي الصغير .   _ أحاديث بُعثت بالسيف حتي يُعبد الله وحده .   _ أحاديث اغزوا تغنموا بنات الأصفر نساء الروم فإنهم حسان . وهي أحاديث تصلح للاستئناس في المسألة ، إذ أن سبي النساء وإن لم يكن بالضرورة سيحدث في كل قتال إلا أنه جعله دافعا لبعضهم كي يخرجوا ويقاتلوا معه .   _ وكل الأحاديث المذكورة تقع تحت فئة من فئات هذه الأحاديث ، وذلك أني لا أذكر وجه الشاهد بعد كل حديث ، فمتي خفي عليك وجه الدلالة في الحديث فارجع إلي فئته فيما سبق .   _ وفي الكتاب ( 300 ) حديث .   __ تنبيه : صدرت نسخة جديدة من الكتب السابقة من سلسلة الكامل بتحسين الخط وتكبيره لتيسير القراءة وخاصة علي أجهزة المحمول .   --------------------------------   __ بيان مذهب الإمام مالك فيمن تُقبل منه الجزية ومن لا تُقبل :   مذهب الإمام مالك أن الجزية لا تُقبل من الزنادقة وتُقبل من كل مشرك آخر أيا كان ما يتبعه من ملةٍ أو كتابٍ اندثر ، وها هنا يبدو أن مذهبه في هذا متسع ، لكن دعنا نراه تفصيلا .   أما الزنادقة فمذهبه فيهم كمذهب غيره ، ولفظ الزنادقة يُطلق في المجمل عموما علي من لا يؤمنون بالله ، فمذهبه ومذهب غيره فيهم أنهم يُقتلون إن لم يسلموا ، ولا تُقبل منهم الجزية ، وإما الإسلام وإما القتل ، فمذهبه في هذا كمذهب غيره ولا إشكال .   أما من سواهم من المشركين ممن يؤمنون بالله إلا أنهم يتبعون مللا غير اليهودية والنصرانية أو يتبعون كتبا اندثرت كمن يقولون أنهم يتبعون صحف إبراهيم وموسي وزبور داود وغير ذلك ، فهؤلاء يقول الإمام مالك أن الجزية تُقبل منهم وتنطبق عليهم شروط أهل الذمة مثلهم مثل أهل الكتاب .   وهنا الاختلاف ، لأن في هذه المسألة اختلافٌ كثير ، والجمهور علي خلاف ذلك ، وأن الجزية لا تُقبل إلا من اليهود والنصاري والمجوس فقط ، لذا قد يقول قائل إذن مذهب الإمام مالك في هذا واسع متسع جيد .   أقول لا لأن الإمام مالك أضاف شرطا آخر ، وهو أن هؤلاء لابد أن يؤمنوا ويقرّوا أن محمدا نبيٌ من الله ، ثم يتركهم علي قولهم أنه ليس رسولا من الله ، فمن أقرَّ بذلك لم يقتله وأخذ منه الجزية ،   ويقول الإمام مالك أن من رفض منهم القول أن محمدا نبي من الله ، يعني قال أن محمدا ليس مبعوثا من الله ، لا نبيا ولا رسولا ، فهؤلاء يقول الإمام مالك أن هؤلاء لابد من قتلهم ولا تؤخذ منهم الجزية ، وهنا أتي الشرط الشديد .   جاء في المحلي لابن حزم ( 5 / 375 ) ( مسألة لا يُقبل من يهودي ولا نصراني ولا مجوسي جزية إلا أن يقروا بأن محمدا رسول الله إلينا وأن لا يطعنوا فيه ولا في شيء من دين الإسلام ، لحديث ثوبان الذي ذكرنا آنفا ولقول الله تعالى ( وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ) ،   وهو قول مالك ، قال في المستخرجة من قال من أهل الذمة إنما أرسل محمد إليكم لا إلينا فلا شيء عليه فإن قال لم يكن نبيا قُتِل )   فقُل لي إذن من يقرُّ بهذا الشرط ؟ من أقرّ به قديما أو حديثا من غير المسلمين أيا كانت مللهم وأديانهم ؟ حتي وإن وُجِدوا فهم من القلة بل والندرة بمكان ،   ولك أن تري ماذا يكون الأمر إن تم تطبيق مذهب الإمام مالك في هذه المسألة وأن من رفض الإقرار بنبوة النبي محمد يُقتَل ، ومن يبقي إن عمل الناس بهذا المذهب ؟   كذلك هناك استثناء آخر في مذهب الإمام مالك ، وهو قريش ، فمذهب الإمام مالك أن من كان قرشيا فلا يُقبل منه إلا الإسلام أو القتل ، وهذا سواء تديَّن القرشي بأي دين كان سوي الإسلام ، فقول الإمام مالك أن أي قرشيٍ لا يُقبل منه إلا الإسلام أو القتل .   لذا فعند نقل مذهب الإمام مالك لابد من نقله بتمامه كي تتبين وجهة الإمام مالك في ذلك ومن يتبعه من أئمة وفقهاء المالكية .   -----------------------------------   __ وهذا ما دعي البعض لذكر بعض الأقاويل :   _ قال البعض أنك حين تقول للناس إن لم تؤمن بكذا وكذا سنقتلك ، فهل تنتظر منهم أن يقفوا لك صفا واحدا لتذبحهم واحدا تلو واحد ؟ أم أنهم سيجمعوا جمعهم وتنشب الحرب ، وماذا إن تم تطبيق ذلك علي نحو عالمي ؟     بل وحينها سيقولون رافعين أصواتهم نحن لم نجبر أحدا علي شئ وإنما هم من يعتدون علينا ويجبروننا علي دين كذا وكذا وإنما نحن نرد اعتداءهم علينا ، وقد حدث بعض ذلك في عدد من الحروب السابقة .   _ قال البعض أنك حين تقول للناس إن لم تؤمن بكذا وكذا سنقتلك ، فكيف يقال عن ذلك أنه ( اقتنع ) بما تدعوه إليه ، بل ويقال حينها أن هذا الذي تدعوه ظل لا يؤمن بما تدعوه إليه سنين طوالا ، ثم فجأة حين قلت له كذا وكذا وإلا أقتلك أطاعك ، فماذا تظن في مثله ؟ حتي قيل أن هذا كان من أسباب النفاق ، حتي ورد في بعض الأحاديث والآثار أن المنافقين كانوا ثلث أهل المدينة .   _ قال البعض أن المشركين لا يمتنعون عن السوء والظلم كالسرقة والقتل وغير ذلك ، لكن حينها يقال أن كل أهل دين علي الأرض فيهم من يفعل ذلك .   بل وهناك مثال ثابت مشهور روته كتب السنن والآثار أن رجلا سرق من رجل مالا فأخذوه للنبي فحلّفه النبي فحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنه لم يسرق ، فقال النبي بلي لقد سرقت ولكن كفّر الله عنك بإخلاصك بشهادة أن لا إله إلا الله ، وهذا يبين أنه كان مسلما حقا وليس منافقا ،   فهذا ليس أحدا من عموم الناس بل من الصحابة ، وارتكب السرقة وهي من الكبائر ، وحلف اليمين الغموس الكاذب وهذا من الكبائر أيضا ، وليس لأي أحد بل يحلف للنبي نفسه أمامه وجها وجها ومع ذلك كذب ،   فهل بقي شئ من عوامل التدين ؟ ومع ذلك ارتكب كبيرة السرقة والحلف الكاذب وأمام النبي وجها لوجه .   وغيرها من الأحاديث ، مثل أحاديث أن بعض الصحابة كرجل اسمه الرؤاسي وقومه لما أسلموا أغاروا علي قبيلة فقتلوا رجالها وعبثوا بالنساء ، ثم استغفروا وغفر الله لهم ، ومعلوم معني قوله عبثوا بالنساء ، وهؤلاء صحابة وليسوا من عامة الناس .   وعلي الوجه الآخر هناك من لا يؤمن بذلك ولا تراه يرتكب السوء ولا يؤذي إنسانا ولا حتي حيوانا ، وليس واقعا يراه الناس فقط ، بل ورد في الأحاديث الكثيرة أن الصحابة يقولون للنبي فلان أو علان من المشركين كان يفعل من كل الخير ومن كذا وكذا ولا يظلم أحدا فهل ذلك نافعه ، فيقول لا لأنه لم يكن مسلما ، فلم يقل لهم لا لم يكن يفعل ، بل أقرّهم وصدقهم وإنما تكلم فيما عليه في الآخرة ،   وكذلك أخبر النبي أيضا عن بعض الحلف في الجاهلية مثل حلف المطيبين وحلف بني هاشم وحلف الفضول وغيرها مما اجتمع فيه الناس فتواثقوا علي نصرة المظلوم والأخذ علي يد الظالمين .   _ قال البعض أن الأحاديث لا تصح في ذلك ، لكن أجاب البعض عن ذلك أن الأحاديث في ذلك بلغت كثرة كاثرة كثيرة لا تدع مجالا في الكلام فيها ، بالإضافة إلي أن هذا هو قول كل الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء ، فهل هؤلاء أيضا لا يعرفون القرآن والسنن وأباحوا قتل الناس بغير حق ؟   _ قال البعض أن ذلك يخالف قوله ( لا إكراه في الدين ) وما شابهها من آيات ، لكن أجاب البعض عن ذلك أن الآية مكية منسوخة بالآيات والأحاديث المدنية التي نزلت بعد ذلك ، ولا يمكنك أن تحتج مثلا أن شرب الخمر حلال بالآيات والأحاديث الواردة فيها قبل تحريمها .   وهناك بعضهم قال أن الآية ليست منسوخة إلا أنها نزلت في اليهود والنصاري وليس في عموم المشركين ، وهذا وردت فيه أحاديث صحيحة أيضا ، وعلي أي من الوجهين فلا دلالة فيها .   _ قال البعض أن بعض الحروب كانت موجودة لأسباب أخري ، لكن أجاب البعض عن ذلك قائلين دعنا نسلم بهذا فحينها ببساطة يمكن الإنكار عليهم ومجابهتهم ، أما حين يُقال لك هذا أمر الله ومن لم يرض به كفر وخُلد في الجحيم فهذا أمر مختلف تماما ولا يمكنك ببساطة أن تقول لا أرضي بهذا .   هذا مع معرفة أن التناوش بين الناس لا ينتهي ، كما أن وجود الظلم والسرقة والقتل والاغتصاب وغير ذلك من أمور لن ينتهي من الأرض ، بل وبين الصحابة أنفسهم قامت حروب مات فيها عشرات الألوف من الناس ، مع أن حروبهم كانت بالسهام والسيوف وليس بالقنابل والدبابات والطائرات ، وهؤلاء صحابة .   ولا أدري كيف يقول قائلون نسكت عما شجر بين الصحابة ويدعون أن هذا مذهب أهل السنة ! ولا أدري ما معني السكوت الذي يريدونه ، هل كذب الكاذبون عليهم ؟ فاتركوا المكذوب إذن وخذوا بالصحيح وهو تاريخ قد حدث فعلا ، إنما لا نقول فيهم ما يشينهم ونقول غفر الله لهم ، أما ما وقع من تاريخ فهو تاريخ محكي مروي لا مناص منه .   __ وعلي كل فلعل في المسألة مزيد تمحيص وبحث ونظر وإنزال علي مواقف مخصوصة وأوقات مخصوصة وأشخاص مخصوصين ، إقامة لأواصر السلام والاحترام المتبادل بين الناس ، وإن السلام اسم من أسماء الله سبحانه ، فما وافقه فبه ونعمت ، وما خالفه فردٌ أو تأويل ، والله ولي التوفيق .