الجنة وأهل الجنة

الجنة وأهل الجنة

سنة النشر
2023 · المزيد من كتب هذا العقد
عدد الصفحات
٥٢٠ صفحة

عن الكتاب

مقدمة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين. بحث آيات الجنة والنار لو أردنا أن نبحث آيات الجنة في القرآن بحثاً مستوفياً معمقاً لبلغ ذلك مجلدات. أما بحث آيات جهنم فيملأ مجلداً أو أكثر. وقد كتبت قبل سنوات بحثاً بعنوان: الجنة ومن يدخلها، ثم رأيت فيه نقصاً وضعفاً. ومن نقصه أنه لم يستوف بحوث الجنة العديدة. ومن ضعفه أنه لا يؤكد بشكل كافٍ على رد التصور العام عن الجنة بأن أهل الجنة مجموعة يعيشون مع بعضهم! مع أنهم مجتمع كبير متباعد الأمكنة، شاسع البلاد، متفاوت كثيراً، في وسائل حياته ومعيشته. قال الله تعالى: { أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [1] . وقال تعالى: { انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا } [2] . وقال تعالى: { وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } [3] . وقال تعالى: { الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّاللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [4] . وقال النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر رضي الله عنه: «الدَّرَجَةُ في الجَنّةِ فَوقَ الدَّرَجةِ كما بينَ السَّماءِ والأرضِ، وإنَّ العَبدَ لَيَرفَعُ بَصرَهُ فيَلْمَعُ لَهُ نورٌ يَكادُ يَخطَفُ بَصرَهُ فيَفرَحُ، فيقولُ: ما هذا؟ فيُقالُ: هذا نورُ أخيكَ المؤمنِ، فيقولُ: هذا أخي فُلانٌ كُنّا نَعمَلُ جَميعاً في الدُّنيا وقد فُضِّلَ علَيَّ هكَذا؟! فيُقالُ: إنَّهُ كانَ أفْضَلَ مِنكَ عَمَلاً» [5] . من هم أهل الجنة؟ زعم اليهود والوهابية أن الجنة لهم وحدهم! فرد عليهم الله تعالى بقوله: { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } [6] . وقوله تعالى: { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [7] . ولما انتصر قائد الجيش المصري ابراهيم باشا على الوهابية ودخل عاصمتهم الدرعية، جمع مشايخ الوهابية فناظرهم المشايخ المصريون، ثم دخل عليهم ابراهيم باشا فسألهم: هل تقولون إن الجنة لكم وحدكم؟ قالوا نعم. قال: لماذا؟ قالوا: لأنا وحدنا الموحدون لله تعالى. قال: وغيركم؟ قالوا: غيرنا مشركون يعبدون القبور ويتمسحون بها؟ قال لهم: أيها البؤساء، أنتم كلكم لو دخلتم الجنة لكفتكم شجرة واحدة، فهل يترك الله جنته خالية؟!   أما نحن الشيعة فنقول: إن أعلى الجنة خاص بالنبي وآله صلى الله عليه وآله وشيعتهم، لكن الجنة واسعة جداً فهي أكبر من سماء كاملة، وهي تقع فوق السماء السابعة عند سدرة المنتهى، وقد روى الجميع وصححوه أن أقل مؤمن يملك فيها بقدرالأرض عشرمرات [8] . وفي تفسير القمي [9] بسند صحيح عَن ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله×: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا اِبْنَ رَسُولِ الله شَوِّقْنِي. فَقَالَ×: «يَا أبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ مِنْ أَدْنَى نَعِيمِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ أَنْ يُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ مِنْ مَسَافَةِ اَلدُّنْيَا. وَإِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الثَّقَلَيْنِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لَوَسِعَهُمْ طَعَاماً وَشَرَاباً وَلاَ يَنْقُصُ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْءٌ وَإِنَّ أَيْسَرَ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ فَيُرْفَعُ لَهُ ثَلاَثُ حَدَائِقَ فَإِذَا دَخَلَ أَدْنَاهُنَّ رَأَى فِيهَا مِنَ اَلْأَزْوَاجِ وَاَلْخَدَمِ وَاَلْأَنْهَارِ وَاَلْأَثْمَارِ مَا شَاءَ اللهُ مِمَّا يَمْلَأُ عَيْنَهُ قُرَّةً وَقَلْبَهُ مَسَرَّةً فَإِذَا شَكَرَ اللهَ وَحَمِدَهُ قِيلَ لَهُ اِرْفَعْ رَأْسَكَ إِلَى اَلْحَدِيقَةِ اَلثَّانِيَةِ فَفِيهَا مَا لَيْسَ فِي اَلْأُخْرَى فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَعْطِنِي هَذِهِ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِنْ أَعْطَيْتُكَ إِيَّاهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا فَيَقُولُ رَبِّ هَذِهِ هَذِهِ فَإِذَا هُوَ دَخَلَهَا شَكَرَ اللهَ وَحَمِدَهُ قَالَ فَيُقَالُ اِفْتَحُوا لَهُ بَابَ اَلْجَنَّةِ وَيُقَالُ لَهُ اِرْفَعْ رَأْسَكَ فَإِذَا قَدْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ اَلْخُلْدِ وَيَرَى أَضْعَافَ مَا كَانَ فِيمَا قَبْلُ فَيَقُولُ عِنْدَ تَضَاعُفِ مَسَرَّاتِهِ رَبِّ لَكَ اَلْحَمْدُ اَلَّذِي لاَ يُحْصَى إِذْ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِالْجِنَانِ وَنَجَّيْتَنِي مِنَ اَلنِّيرَانِ» [10] . و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. وقال أئمتنا^ إنّ الكثير من الناس يدخلون الجنة، ولا يختص دخولها بشيعتهم، وإن كانوا مع أئمتهم^ في أعلاها. ففي الصحيح عن زرارة قال: (دَخَلْتُ أَنَا وَحُمْرَانُ أَوْ أَنَا وَبُكَيْرٌ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ× قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّا نَمُدُّ الْمِطْمَارَ، قَالَ: «وَمَا الْمِطْمَارُ»؟ قُلْتُ: التُّرُّ، فَمَنْ وَافَقَنَا مِنْ عَلَوِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ تَوَلَّيْنَاهُ وَمَنْ خَالَفَنَا مِنْ عَلَوِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ بَرِئْنَا مِنْهُ، فَقَالَ لِي: «يَا زُرَارَةُ قَوْلُ الله أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِكَ فَأَيْنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ { إِلَّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا } [11] أَيْنَ المُرْجَوْنَ { لأَمْرِ الله } أَيْنَ الَّذِينَ { خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً } [12] أَيْنَ { أَصْحابُ الْأَعْرافِ } أَيْنَ { المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ }» ) [13] . وفي الصحيح عن الإمام الصادق× قال: «لَوْ أَنَّ اَلْعِبَادَ إِذَا جَهِلُوا وَقَفُوا وَلَمْ يَجْحَدُوا لَمْ يَكْفُرُوا» [14] . أي: لو أنهم جعلوا ما جهلوه محتملاً ولم ينفوه، لم يكونوا كافرين، ولا يستحقون النار، بل يكونون مُرْجَوْن لأمر الله تعالى، فيرجى لهم دخول الجنة. فالناس: مؤمنون، وكفار، وقسم ثالث هو الأكثر، وهم الذين أرجأهم الله تعالى. جنة النبي وعترته صلى الله عليه وآله وشيعتهم أعلى الجنان درجات الجنة متفاوتة في مساحتها وصفاتها ومستوى نعيمها. وأعلاها منطقة الفردوس التي فيها قصور إبراهيم وآل إبراهيم^، ومعهم محبوهم وشيعتهم، وقصور محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله ومعهم محبوهم وشيعتهم [15] . وقد روى في كامل الزيارة [16] ، وابن حنبل [17] ، والترمذي [18] ، والطبري في مناقب العشرة [19] ، وتاريخ بغداد [20] ، قالوا: (أخذ النبي صلى الله عليه وآله بيد حسن وحسين وقال: «من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما، كان معي في درجتي يوم القيامة») [21] . والدرجة الواحدة في الجنة بقدر الكرة الأرضية وأكبر. كثرة المبالغة والكذب في أحاديث الجنة قال رجل لمقاتل المفسرالأموي المشهور: (إن إنساناً يسألني عن لون كلب أصحاب الكهف فلم أجد ما أقول له! فقال له مقاتل: ألا قلت هو أبقع! فلو قلت ذلك لم تجد أحداً يرد عليك قولك) [22] ! ومن هذا النوع وصف الجنة والحور العين، وقدرات الإنسان الجنسية في الجنة، فهي مواضيع جذابة للمستمع والقارئ. يفرح بها الكذابون لأنه لا يمكن كشف كذبهم! وقد أكثر فيها الحشوية من تخيلاتهم وعاميتهم، لذلك ركزنا على آيات القرآن، وما صح عن أهل البيت^ في وصف الجنة وأهلها وحورها، والحياة الناعمة فيها. حياة البرزخ قبل الجنة البرزخ: هو المدة التي تبدأ بموت الإنسان الى أن يبعث من قبره في المحشر، وتسمى البرزخ، لأنها الفاصلة بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة. وقد اقترح عليَّ الأخ العلامة الشيخ عبد الرحمن الربيعي مدير قناة دعاء أن أضيف بحث حياة البرزخ الى هذا الكتاب، وأكد على اقتراحه، حتى توفقت لإضافته في أول الكتاب في فصلين. آمل أن نقدم في هذه البحوث للقارئ أضواء جيدة على الموضوع، وأن يكتبنا الله بلطفه وكرمه من أهل الجنة، مع النبي صلى الله عليه وآله وآله الطاهرين^.   حرره علي الكوراني العاملي     [1] سورة الأنفال، الآية : 4. [2] سورة الإسراء، الآية : 21. [3] سورة طه، الآيتان : 75-76. [4] سورة التوبة، الآيات : 20-22. [5] أمالي الشيخ الطوسي : ص 529 ، ح 1162. [6] سورة البقرة، الآية : 94. [7] سورة البقرة، الآيتان : 80-81. [8] ينظر : الاعتقادات، الشيخ الصدوق : ص 80. صحيح البخاري : ج 8 ، ص 202. [9] تفسير القمي : ج 2 ، ص 82. [10] تفسير قمي، علي بن ابراهیم   القمي، تحقيق السيد طيب الجزائري، طبع ونشر دار الكتاب، قم المقدسة، إيران، 1404 هـ : ج 2 ، ص 81. [11] سورة النساء، الآية : 99. [12] سورة التوبة، الآية : 102. [13] الكافي، الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، تحقيق الشيخ علي أكبر غفاري، والشيخ محمد آخوندي، نشر دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، مطبعة حيدري، 1485: ج 2 ، ص 382. [14] الكافي، الكليني : ج 2 ، صث 388. [15] مسائل علي بن جعفر : ص 345. فردوس الأخبار : ج 3 ، ص 162. [16] ينظر : كامل الزيارات، ابن قولويه القمي : ص 51. [17] مسند أحمد بن حنبل : ج 1 ، ص 77. [18] سنن الترمذي : ج 5 ، ص 305. [19] مناقب العشرة للطبري : ج 3 ، ص 189. [20] تاريخ بغداد، البغدادي : ج 13 ، ص 289. [21] الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي : ص 191. كنز العمال، المتقي الهندي : ج 12/ ص 97 ، ح 34161. [22] تاريخ بغداد، البغدادي : ج 13 ، ص 167.

كتب من نفس الفترة (عقد 2020)

كتب أخرى من المكتبة