عن الكتاب
بسم الله، واغوثاه بالله وحده: (رفع حجب الغثاثة عن حكم الاستغاثة): هذا عنوان كتاب كنت أردت إخراجه منذ سنة مضت، ومادته مجموعة لا يحتاج إلا بضعة أيام لتحريره.. فما قصته؟ اقرأ هذه النقاط الخمسة، ثم التنبيه الأخير، وأنا خصمك أمام الله لو أهملت هذا التنبيه: ١- كنت وهابيا في نشأتي، ثم تحسنت حالي فصرت تيميا، ثم صرت حنبليا حقيقيا حتى في الموقف من شيخ الإسلام ابن تيمية، كما ذكرت ذلك تفصيلا في سلسلة: (لماذا تركت السلفية المعاصرة). وكنت بطبيعة الحال أقول في الاستغاثة بما يقوله السلفيون. وظللت على هذا زمنا، ثم قبل سنوات: تحركت في نفسي داعية النظر لكلام المخالفين للسلفيين، الذين هم جمهور الأئمة المتأخرين. هذه في حد ذاتها: نقلة نوعية، لا تحصل لسلفي إلا بكرامة وعناية إلهية! أن تنظر في كلام خصومك من كتبهم، وفي مسألة أنت تعدها من مقاطع الدين ومعاقد التوحيد وبينات الوحي وجلياته، وأحسن أحوال من يخالفك فيها: العذر بالجهل، ولديك فيها حكاية الإجماع من ابن تيمية، وكل السلفيين يجزمون فيها بالحكم النظري لا يخالف في ذلك أحد= هذه عناية ربانية! ٢- بدأت أقلب النظر وأجيل الفكر، وكنت لا أصرح بشيء، ولا أستعجل تقرير حكم في نفسي فضلا عن الجهر به. وهذه عادتي أني لا أستعجل حكما، ولا أجهر بشيء حتى لخاصتي قبل أن أطيل النظر فيه. لكني لا أتكلم حال البحث والنظر قط إلا مدارسة مع بعض خاصتي، وإنما أتكلم بعد التبني والاعتقاد المسبوقين بنظر عميق. فيظن من لا يعرفني أني تغيرت سريعا؛ إذ لم أكن أجهر حال النظر، ولا يدري أن الكلام مسبوق بنظر جاد قد يستغرق سنوات! وتلك مشكلة! وبعد أربع سنوات من النظر والتأمل: خالفت التقرير التيمي المشهور. ولكن لم أكن أرى مصلحة شرعية في الكلام بهذا، وكنت أنهى الناس عنه وأطلق عبارات في المنشورات والفتاوي لا يفهم منها خلاف التقرير التيمي، فأنا لا أرى جواز ذلك للعامة، وليس هناك ما يدعوني للتفصيل والتطويل. ٣- ثم حصلت أمور هنا قبل سنتين لاداعي لذكرها تفصيلا، والأرشيف شاهد عيان، اقتضت أن أكتب في مسألة الاستغاثة لبيان الحكم فيها وأن أفصل وأن أباين بعض الآدميين. فكتبت عشرات المنشورات، ونقلت نحو ثلاثين نقلا عن علماء الحنابلة في هذا، وخصصت الحنابلة بذلك؛ لأن النابتة يتمسحون بهم وينتسبون إليهم ويزعمون أنهم يكفرون بالاستغاثة. وكتبت في أثناء ذلك رأيي التفصيلي وأنني لا أدعو للاستغاثة بل أمنعها، ولكني فقط لا أكفر بها، كتبت ذلك وقلته وبينته بكل سبيل. لكني لم أسلم من أذية القوم البهت بكل ما استطاعوا، وكذبهم وتشويههم وافترائهم، وتولى كبر ذلك أناس معينون، الله يفصل بيني وبينهم يوم القيامة. ٤- بعد أن بينت المسألة بيانا تاما: توقفت عن الكتابة، فقد حصل المقصود. ولم أعد أكتب فيها قليلا ولا كثيرا. ثم دار نقاش قبل أيام من بعض الفضلاء، ونسبوا للحنابلة التحريم، فكتبت كتابة مختصرة لنفي ذلك، وأحلت من رام التوسع على المنشورات القديمة. كلمني بعدها بعض أهل العلم الكرام هاتفيا، وطلبوا مني أن أعيد نشر هذه المنشورات وأن لا أكتفي بالإحالة على القديم؛ لأنه قد جدّ أناس وتغير آخرون، وليس كل الناس يستطيع الوصول إلى القديم أو يصبر عليه. ونزولا على أمره -وله عندي مكانة كبيرة- وعدته بنشر بعضها. وقد طلب أن يكون ذلك بمناسبة المولد النبوي الشريف؛ لأنه وقت نشاط النابتة في هذه المسألة. فوعدته خيرا، والله يعلم كم أنا منشغل هذه الأيام. ٥- مسألة الاستغاثة مسألة عظيمة، كَفّر بها النابتةُ معظمَ الأمة، وطعنوا في العلماء والأئمة، واستباحوا الدماء والأموال والأعراض وأحدثوا الخطوب المدلهمة، فالجهد المبذول في بيانها من القربات، وتحريرها من المهمات. وحسبك أن تنظر في كتب النابتة؛ كالدرر السنية وتاريخ ابن غنام وابن بشر ونحوها= لتعلم ما أقول. ولذلك فبعد انتهائي من نشر تلك المنشورات، ومن الرد على ما أثاره النابتة من الشبهات، وأتيت في ذلك بما لم أر أحدا سبقني إليه ونقلت من المطبوع والمخطوط عشرات النقولات= هممت أن أخرجها كتابا مطبوعا، وبحثا محررا مجموعا، وكلمني في ذلك عدد من دور النشر، في بعض الدول العربية وفي مصر. ثم كلفت بعض الأحباب بجمع المادة كاملة من المنشورات وتنسيقها، فقام بذلك جزاه الله خيرا، فصارت عندي تامة. وقد أضفت عليها بعد ذلك إضافات مهمة، ولكني لم أجد وقتا لمراجعتها وتحريرها كتابا مؤلفا، فأجلت ذلك! ثم رأيت اليوم بعض الأحباب الآخرين قد جمعوها ونشروها، وهؤلاء أنا لا أعرفهم ولا طلبت منهم ذلك! والعجيب أنه منشور منذ سنة ولم أره إلا اليوم! فلا أجد إلا شكرهم والدعاء لهم على هذا الجهد العظيم، تقبل الله منهم وأثابهم على الدفاع عن أئمة الدين والتوحيد حقا! وقد جمعوها على هيئة كتاب، ونشروها على الصفحة التي أنشؤوها بعنوان: محبي الشيخ محمد عبد الواحد. وبذلك يكون طلب الشيخ الكريم قد تحقق وفي الوقت الذي أراده، وتلك منة من الله وفضل عظيم. ومن كرم الله علي أن يسخر لي هؤلاء الأحباب ويعطف قلوبهم على الفقير مع عدم معرفتي بهم! وفي تلك المنشورات نقولات تقر بها أعين طلاب الحق، وفيها نقل عن أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي الذي يفرح النابتة ببعض كلامه في هذا، ويزعمون أنه يكفّر الناس كما يفعلون هم ويفترون، ويوهمون به الرعاع من أتباعهم أنه سلف لهم قبل ابن تيمية.. فاحرص على اقتناصه، وهو النقل الثامن عشر في المنشورات المجموعة! وبهذا الجمع قد تحقق المطلوب واجتمع المتفرق. وأما نشره كتابا مطبوعا فلعله يكون قريبا. ******* وأما التنبيه الذي أخاصمك أمام الله لو أهملته: فهو أني لا أدعو إلى الاستغاثة، ولا أستغيث في نفسي بغير الله. بل أنا أمنع الناس منها، ولا أجوزها للعامة، وأمنع من الألفاظ المجملة الموهمة، ولا أقبلها من غير عالم يعرف مقتضيات الألفاظ، ومع ذلك أرى أن لا ينشر ذلك للعامة. فهذا كله قدر محكم قطعي. وقد كتبت فيه منشورا واضحا لا لبس فيه، إبان كتابتي لتلك المنشورات القديمة؛ ليتبين قصدي للجميع. فقبله المنصفون وشكروا عليه، ولم يغير شيئا من حقد الحاقدين وكذب المفترين. فمن نسب إلي غير ما أقوله الآن وقلته في ذاك المنشور: فالله ينتقم منه. وإنما كان قصدي بمنشورات الاستغاثة: نفي التكفير عن المسلمين، وإعذارهم، وتنزيه العلماء والأئمة ونقلة الشرع الشريف عن تهمة النابتة لهم بالجهل بالتوحيد وبدهياته، واستطالتهم في أعراضهم، والوصول إلى كلمة سواء بيننا وبين المنصفين. مع التأكيد على نهي العامة عن ذلك. وبحمد الله قد تغير كثيرون بعد هذه المنشورات، وبعضهم من الأكابر، وصرح لي بذلك عدد من طلاب العلم والمشايخ، لكن لم يجهروا به. *** والآن إليكم هذا الجمع الطيب الذي جمعه جزاهم الله خيرا عن أمة محمد ﷺ. وفي النية إن طال العمر أن أخرجه كتابا مزيدا محررا، وأذكر فيه للنابتة حججا من كلام الحنابلة لا يعرفونها ولا تخطر ببالهم، أحتج لهم بها، ثم أجيبهم عليها. وأن أنقل نقولات من كتب لا يعرفونها وكتب طال بحثهم عليها فلم يصلوا إليها، وكل ذلك عندي بفضل ربي. وإلا يطل العمر أو لم يتيسر: فقد جُمعت المنشورات والحمد لله. ومن الله التوفيق والقبول، ورضوانه هو المأمول، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الرسول.