فيلسوفإسلاميات › انشقاق القمر
غلاف انشقاق القمر
إسلاميات

انشقاق القمر

التصنيفإسلاميات
سلسلة الكامل / 390 / الكامل في إثبات أن حديث انشقاق القمر لا يرويه إلا صحابي واحد فقط وبيان الخلاف في آية ( انشق القمر ) وبيان أثر ذلك علي إخراج انشقاق القمر من مسائل الإعجاز يقول المؤلف : بعد كتابي الأول ( الكامل في السُّنن ) أول كتاب علي الإطلاق يجمع السنة النبوية كلها بكل من رواها من الصحابة بكل ألفاظها ومتونها المختلفة ، من أصح الصحيح إلي أضعف الضعيف ، مع الحكم علي جميع الأحاديث ، وفيه ( 64,000 / الإصدار الخامس ) أربعة وستون ألف حديث ، آثرت أن أجمع الأحاديث الواردة في بعض الأمور في كتب منفردة تسهيلا للوصول إليها وجمعها وقراءتها . _ روي البخاري في صحيحه ( 4864 ) عن ابن مسعود قال انشق القمر علي عهد رسول الله فرقتين ، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه ، فقال رسول الله اشهدوا . ( صحيح ) _ وروي مسلم في صحيحه ( 2802 ) عن ابن مسعود قال بينما نحن مع رسول الله بمِنى إذا انفلق القمر فلقتين فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه فقال لنا رسول الله اشهدوا . ( صحيح ) _ في الكتاب السابق رقم ( 344 ) ( الكامل في الآيات والأحاديث التي أدخلها بعضهم في الإعجاز العلمي ودلائل النبوة بالظن والخطأ والجهل مع تفصيل كل منها وبيان أسباب إخراجه من باب الإعجاز والدلائل / 1200 آية وحديث ) جمعت فيه الآيات والأحاديث التي أدخلها بعضهم في باب الإعجاز والدلائل ، إما بالظن أو بالجهل أو بالخطأ ، وكان فيه ( 1200 ) آية وحديث ، لكنها تعود في مجملها إلي ثلاثة وستين ( 63 ) بابا أو مسألة أو إعجازا ، وفصّلت كل باب أو نوع منها وبينت معناه بالآيات والأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة والمفسرين واللغويين ، وبيّنت العبث الشديد الذي يتبعه أصحاب الإعجاز العلمي ، وبل وفي بعضها ظهر الجهل المريب من بعضهم ، جهل بالقرآن والسنن وأبسط قواعد اللغة العربية . _ وبينت في ذلك الكتاب السابق أن هناك أربعة أمور لابد من توفرها قبل القول عن شئ أنه إعجاز من الأصل ، وهي : _1_ التفريق بين الأسلوب العلمي المحض والأسلوب الأدبي البلاغي _2_ وجوب ولزوم استحالة ذلك الأمر علي الناس كلهم في وقت الحدوث _3_ وجوب ولزوم اعتبار التاريخ السابق وحضارات الأمم السابقة _4_ ثبوت الأمر الذي يقال عنه أنه داخل في باب الإعجاز والدلائل _ وذكرت أمثلة لكل واحد من هذه الأمور ، كبعض الأمور التي ترِد بالأسلوب الأدبي والمعني البلاغي فيأتي أناس فيهم جهالة شديدة باللغة فيخترعون معاني ليست في الكلام أصلا ، وأمور أخري كانت معروفة في الحضارات السابقة قبل بعثة النبي ، وأمور أخري كانت معرفتها ( صعبة جدا ) فقط لكنها ليست ( مستحيلة ) ، وأمور مكذوبة أو لا تثبت عن النبي من الأصل . _ لكن في قلة منها في عدد من الأبواب كان الخلاف معتبرا ومن هذه الأمور مسألة انشقاق القمر ، فآثرت إفرادها بجزء منفرد . _ وحديث انشقاق القمر ثابت عن عبد الله بن مسعود وسيأتي ذكر الأسانيد عنه . لكن ورد ذلك أيضا من حديث خمسة ( 5 ) من الصحابة وهم : ابن عباس وابن عمر وأنس وعلي وجبير . فيقول القائل حينها أرأيت كيف ثبت الحديث عن ستة من الصحابة . فيقال لهؤلاء دعنا ننظر في هؤلاء الصحابة الخمسة . _1_ عبد الله بن عباس : أما ابن عباس فتوفي النبي وابن عباس في سن العاشرة ( 10 ) من عمره ، وقيل كان عمره ثلاث عشرة ( 13 ) وقيل خمس عشرة ( 15 ) سنة ، وستأتي أمثلة من أقوال الأئمة في ذلك . وعلي أي الأقوال تسير يكون ابن عباس وقت الانشقاق لم يولد بعد أصلا ، أو علي أقصي تقدير كان عمره حينها أقل من سنتين اثنتين ، أي كان طفلا في المهد . _2_ أنس بن مالك : أما أنس فثبت عنه أن عمره كان عشر ( 10 ) سنين عندما هاجر النبي إلي المدينة ، وستأتي أمثلة من أقوال الأئمة في ذلك ، وعلي القول بأن انشقاق القمر كان قبل الهجرة بين سنة وسنتين فيكون عمر أنس بن مالك حينها نحو ثمان ( 8 ) سنين ، وعلي القول بأن الانشقاق كان قبل الهجرة بنحو خمس سنين فيكون عمر أنس حينها نحو خمس ( 5 ) سنين فقط ، وهذا مع أنس بن مالك أيضا كان أنصاريا بالمدينة ولم يكن بمكة ، وبالتالي فحتي علي التزل بأنه كان بالغا حينها فقد كان بالمدينة ولم يكن بمكة من الأصل . ولا يقال ها هنا أن كان بالإمكان رؤية ذلك من المدينة فلم ينطق بذلك ناطق أصلا ، وفي الأحاديث أن أهل مكة سألوا النبي ( فأراهم ) فلو كان الأمر عاما لجعل الرؤية للناس كلهم وليس بالضمير العائد علي أهل مكة فقط . وأيضا إن كان ذلك كذلك لكان دليلا علي قائله أصلا ، إذ حينها كيف يكون ذلك للعالم كله وفي كل مكان ولا يرويه إلا ابن مسعود وحده فقط ! ، بل إن مثل هذه الأمور يرويها الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم عالمهم وجاهلهم ، فيعود الأمر حينها نقضا علي قائله لا له . _3_ عبد الله بن عمر : أما ابن عمر فثبت أن كان عمره أربع عشرة ( 14 ) سنة عام أحد ، وأحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة ، وقد اختلف الصحابة والأئمة أيضا في الفترة المكية فقيل كانت عشر ( 10 ) سنين وقيل كانت ثلاث عشرة ( 13 ) سنة وقيل بين ذلك ، وبالتالي فعلي أقل الأقوال أنها كانت عشر سنين وأن الانشقاق كان قبل الهجرة بين سنة وسنتين فيكون سن ابن عمر حينها نحو تسع ( 9 ) سنين ، أما علي القول بأن الانشقاق كان في السنة الخامسة قبل الهجرة فيكون سن ابن عمر حينها نحو سبع ( 7 ) سنين فقط . _4_ علي بن أبي طالب : أما علي بن أبي طالب فقد ورد الحديث عنه من طريق واحدة فيها ثلاثة أمور . الأمر الأول : أنه لم يروها أحد ولا وردت في شئ من كتب الحديث إلا عن الإمام الطحاوي فقط في كتابه مشكل الآثار . الأمر الثاني : أن فيها تفرد شديد في كل طبقة من طبقات الإسناد ، فلا يرويه عن علي بن أبي طالب إلا سلمة بن صهيب ، ولا يرويه عن سلمة إلا أبو إسحاق السبيعي ، ولا يرويه عن السبيعي إلا حديج بن معاوية الجعفي . الأمر الثالث : أن حديج الجعفي نفسه ضعيف سئ الحفظ ، وستأتي أقوال الأئمة صريحة في أنه ضعيف سئ الحفظ . وبالتالي فالحديث حديث ابن مسعود لكن أخطأ فيه حديج فجعله عن علي بن أبي طالب ، وهذا مع التفرد الشديد بالإسناد والتفرد في كل طبقة من طبقاته . _5_ جبير بن مطعم : أما حديث جبير ففيه أربعة أمور . الأمر الأول : أنه لم يروه عنه إلا ابنه محمد ، ومحمد بن جبير وإن كان ثقة متفقا علي ثقته إلا أنه ما زال واحدا . الأمر الثاني : أنه لم يروه عن محمد بن جبير إلا حصين السلمي ، وحصين وإن كان ثقة متفقا علي ثقته إلا أنه ما زال واحدا . والتفرد وإن كان ليس بعلة في ذاته لكن مع النقطة والثالثة والرابعة يكون له تأثير ها هنا . الأمر الثالث : أن جبير بن مطعم نفسه قد أسلم في فتح مكة ، وفتح مكة علي المشهور كان في السنة الثامنة ( 8 ) من الهجرة ، وبالتالي فجبير بن مطعم قد ظل مشركا عشر ( 10 ) سنين علي الأقل بعد رؤيته للانشقاق ، وعلي القول بأن الانشقاق كان قبل الهجرة بنحو خمس سنين فيكون جبير قد ظل مشركا قرابة ثلاث عشرة ( 13 ) سنة بعد رؤيته للانشقاق ، وهذا أمر ليس بالهين ، وفوق ذلك فأحكام فتح مكة معروفة ، ولم يكن النبي يقبل من المشركين حينها إلا الإسلام أو القتل ، وهذا أمر متفق عليه بين الصحابة والتابعين والأئمة جميعا لا خلاف في ذلك أصلا ، فالصحابة والأئمة كلهم متفقون أن مشركي العرب لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو القتل ، وإنما وقع الاختلاف في المشركين من غير العرب والجمهور أيضا أنهم مثل العرب ، وقال الإمام الطبري في تفسيره ( 5 / 414 ) ( كان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم أنه أكره على الإسلام قوما فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم ) والكلام هنا عن الصحابة والتابعين والأئمة ، إذ كعادة بعض الحدثاء يظنون أن الصحابة والأئمة جميعا حفنة من الحمقي والمغفلين الذين لا يعرفون الإسلام ولا يدركون القرآن ويكذبون علي النبي حتي أتوا هم ليخرجوا الناس من ضلال الصحابة والأئمة . وراجع أمثلة من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة في ذلك في كتاب رقم ( 50 ) ( الكامل في أحاديث كان النبي يخيّر المشركين بين الإسلام والقتل فمن أسلم تركه ومن أبَي قتله ونقل الإجماع علي ذلك وأن ما قبله منسوخ / 350 حديث و50 أثر ) وكتاب رقم ( 138 ) ( الكامل في أحاديث سبب نزول آية ( لا إكراه في الدين ) وبيان أنها نزلت في اليهود والنصاري وليس في عموم المشركين والمرتدين والفاسقين / 85 حديث وأثر ) وكتاب رقم ( 168 ) ( الكامل في اتفاق الصحابة والأئمة أن آيات ( قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ) و( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) و( إن جنحوا للسلم فاجنح لها ) وأشباهها منسوخة في المشركين ومخصوصة بمزيد أحكام في أهل الكتاب مع ذِكر ( 120 ) صحابي وإمام منهم و( 280 ) مثالا من آثارهم وأقوالهم ) وكتاب رقم ( 336 ) ( الكامل في اتفاق الصحابة والأئمة أن قوله تعالي ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) أسلوب تهديد ووعيد وليس أسلوب تخيير مع ذِكر سبعين ( 70 ) صحابيا وإماما منهم ) . الأمر الرابع : أن جبير بن مطعم لم يصرح في أي رواية ولو مرة واحدة فقط أنه شاهد ذلك أصلا ، بل قال ( انشق القمر علي عهد النبي ) فهو بذلك مثل من سبق من الصحابة كابن عباس وابن عمر وأنس ممن لم يروا ذلك بأنفسهم لكنهم نقلوه عن ابن مسعود . ولا يظنن ظان أن في ذلك كلام في جبير بن مطعم ، بل هو صحابي جليل والترضي عليه واجب ، لكن لابد من التفريق بين النقد العاطفي والنقد العلمي ، وبين النظر لصدق الصحابي في روايته عموما وبين ما يكون قد رآه أو فعله هو بنفسه . __ وبالتالي يكون : _1_ عبد الله بن عباس : لم يكن ولد أصلا وقت الانشقاق أو علي أقصي تقدير كان عمره أقل من سنتين في ذلك الوقت . _2_ أنس بن مالك : كان عمره حينها نحو ثمان ( 8 ) سنين فقط ، وكان أنصاريا بالمدينة ولم يكن في مكة أصلا . _3_ عبد الله بن عمر : كان عمره حينها نحو عشر ( 10 ) سنين فقط . _4_ علي بن أبي طالب : ورد عنه الحديث من طريق واحدة فقط ، يرويها راو واحد فقط في طبقة من طبقات الإسناد ، ويتفرد برواية الإسناد كله الإمام الطحاوي وحده ، وفي الإسناد نفسه رجل ضعيف سئ الحفظ . _5_ جبير بن مطعم : ورد عنه الحديث من طريق ابنه محمد فقط ، ويرويه عن محمد بن جبير رجل واحد فقط ، وجبير نفسه أسلم بعد رؤيته للانشقاق بنحو عشر ( 10 ) سنين ، ومع ذلك فلم يصرح ولا مرة واحدة أنه رأي ذلك بنفسه . _ وبالتالي لم يبق أحد ممن روي حديث الانشقاق إلا عبد الله بن مسعود . ---------------------- __ بيان الفرق بين الانشقاق والأخدود : من المتفق عليه في رواية ابن مسعود وغيره من الصحابة الذين رووا عنه وفي كلام التابعين والأئمة أن الانشقاق المراد انشقاق فعليٌّ حتي صار القمر نصفين ورأوا الجبال بينهما . وبالتالي فحين يأتي أحدهم متمحكا فيقول أتي العلم الحديث فقال هناك أخاديد ( جمع أخدود ) علي القمر فقل له أين الانشقاق وأين الأخدود ! . وفي هذا القول خمسة أمور . _1_ الأمر الأول : الفرق الشديد لغويا وعلميا بل وفي عادة كلام الناس أن انشقاق الشئ نصفين مختلف تماما عن أن علي سطحه بضعة أخاديد ، فالأخدود ليس دليلا علي الانشقاق أصلا . _2_ الأمر الثاني : أن الأخدود بحد ذاته مخالف للثابت في روايات حديث الانشقاق وأن القمر صار فرقتين ونصفين ورأوا الجبل بينهما ، فهذا يدل علي أن كل نصف صار في جانب منفرد . _3_ الأمر الثالث : أن يقال لهؤلاء أين الإعجاز في قولكم أخاديد علي القمر من الأصل ، فحين يقال أن القمر انشق نصفين فحينها يقال إعجاز ، أما وجود أخاديد فأين الإعجاز بالضبط في ذلك ؟ . _4_ الأمر الرابع : أن يقال لهؤلاء أن روايات حديث الانشقاق بينت أنهم عرفوا انشقاق القمر برؤيته فلقتين نصفين ، فكيف عرفوا الأخاديد وماذا كانت علامتها حينها ؟ . _5_ الأمر الخامس : أن تحويل كلمة ( انشقاق ) إلي ( أخدود ) انسلاخ من علوم اللغة والحديث والفقه بالكلية أصلا ، فحينها سيأتي كل أحد علي أي لفظ ويصرفه عن معناه كيفما يهوي ويتمني ، فيأتي أحدهم علي الصلاة فيقول المراد بها معناها اللغوي الدعاء ولا صلاة في الإسلام ! ، وقِس علي ذلك أي حكم آخر . ---------------------- __ قوله تعالي ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) : الأكثرون من التابعين والأئمة والمفسرين علي أن انشقاق القمر قد وقع في عهد النبي ، وقال آخرون أن المراد بهذه الآية هو انشقاق القمر في الآخرة بعد قيام الساعة ، ومن قال أن تأويل الآية محل إجماع فقد أخطأ ، أما القول بأن الانشقاق قد وقع بناء علي الحديث الثابت فهو قول صحيح وينبغي لكل مسلم أن يؤمن بذلك ، لكن المقام ها هنا بيان لتأويل هذه الآية خاصة . قال الإمام السمرقندي في تفسيره ( 3 / 369 ) ( أكثر المفسرين قالوا إن هذا قد مضي ) وقال الإمام الثعلبي في تفسيره ( 9 / 160 ) ( عن عطاء الخراساني قال وسينشق القمر ) وقال الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسيره ( 5 / 211 ) بعد القول بوقوع انشقاق القمر قال ( هذا قول الجمهور ) وقال الإمام نجم الدين النيسابوري في تفسيره ( 2 / 777 ) (( وانشق القمر ) قال الحسن - أي البصري - أي ينشق ، فجاء المستقبل علي صيغة الماضي لوجوب وقوعه أو لتقارب وقته أو لأن المعني مفهوم أنه في المستقبل ، وقيل إنه علي الاستعارة والمثل لوضوح الأمر كما يقال في المثل الليل طويل وأنت مقمر ) وقال الإمام القرطبي في تفسيره ( 17 / 125 ) ( .. وعلي هذا الجمهور من العلماء ، .. وقال قوم لم يقع انشقاق القمر بعد وهو منتظر ، أي اقترب قيام الساعة وانشقاق القمر وأن الساعة إذا قامت انشقت السماء بما فيها من القمر وغيره ، وكذا قال القشيري ، وذكر الماوردي أن هذا قول الجمهور وقال لأنه إذا انشق ما بقي أحد إلا رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء ، وقال الحسن اقتربت الساعة فإذا جاءت انشق القمر بعد النفخة الثانية ، وقيل وانشق القمر أي وضح الأمر وظهر والعرب تضرب بالقمر مثلا فيما وضح ، قال أقيموا بني أمي صدور مطيّكم / فإني إلى حي سواكم لأميل ، فقد حمت الحاجات والليل مقمر / وشدت لطيات مطايا وأرحل ) وقد عكس الماوردي وأخطأ خطأ شديدا واضحا ولعله سها ، فالقول بأن القمر قد انشق هو قول الجمهور بلا خلاف وليس العكس . وقال الإمام العامري الحرضي في بهجة المحافل ( 2 / 213 ) بعد ذكر وقوع انشقاق القمر ( هو ما عليه جمهور العلماء من المفسرين ) وغير ذلك من أقوال الأئمة ، فالقول بأنه إجماع لا خلاف فيه بالكلية خطأ ، وأما القول بأنه قول الجمهور وأن المخالفين قلة معدودون فصحيح ، وأما القول بأن هؤلاء القلة علي خطأ فقول قوي معتبر . وقد اعتمد الأكثرون في تأويلهم للآية علي أمرين . _1_ الأمر الأول : الأحاديث الواردة عن ابن مسعود وغيره من الصحابة ، وهي صريحة عنهم في وقوع الانشقاق في عهد النبي في مكة قبل الهجرة . والاستدلال بذلك معتبر لكن ذلك مبني في الأصل علي رواية ابن مسعود ، وبالتالي فالإيمان بذلك مبني علي الإيمان بالنبي ذاته أي بالإيمان بالإسلام في الأصل ، وبالتالي وجوب قبول خبر الصحابة عن النبي ، وبالتالي فهذا ينبغي أن يقر به كل مسلم ، لكن لا ينبغي عرض المسألة لكل مسلم وغير مسلم وكأنها متواترة عن مئات الناس ورآها عشرات الصحابة بأعينهم ورووا ذلك ، فليس الأمر كذلك ، بل لا يثبت ذلك إلا عن ابن مسعود فقط . _2_ الأمر الثاني : اعتمد بعض الأئمة والمفسرين علي أن ( انشق القمر ) وقعت بلفظ الزمن الماضي وبالتالي فقد وقع الانشقاق وانتهي الأمر . وهذا استدلال غريب وخاصة عندما يكون من أئمة أكابر في اللغة ، فإن قيل أنهم قالوا بذلك مع دلالة الحديث يكون لذلك وجه صحيح معتبر ، أما مجرد الاعتماد علي أن الآية بلفظ الماضي فلا دلالة فيه ، فكم من آيات وأحاديث وردت عن أشراط الساعة لكن بلفظ الماضي ، وهي مسألة معروفة من كلام العرب بالتعبير بلفظ الماضي عما يوقنون بوقوعه في المستقبل ، وهذا مثال واضح في ذلك ، قال سبحانه ( أتي أمر الله فلا تستعجلوه ) ( النحل / 1 ) فإن كان قد أتي ووقع فعلا فكيف يستعجلونه وقد أتي ووقع أصلا ، لكن المعني فيها أنه يوشك أن يأتي فلا تستعجلوه . وقال الإمام الطبري في تفسيره ( 17 / 162 ) ( أتي أمر الله فقرب منكم أيها الناس ودنا فلا تستعجلوا وقوعه ) ، وقال الإمام الواحدي في الوجيز ( 600 ) (( أتي أمر الله ) أي عذابه لمن أقام علي الشرك أي قد قرب ذلك ( فلا تستعجلوه ) فإنه نازل بكم لا محالة ) ، وقال الإمام السمعاني في تفسيره ( 3 / 158 ) (( أتي أمر الله ) أي دنا وقرب كالرجل يقول لغيره أتاك الخبر أو أتاك الغوث إذا دنا منه ويقال إن معناه سيأتي أمر الله ) ، وقال الإمام السمرقندي في تفسيره ( 2 / 265 ) (( أتي أمر الله ) أي يوم القيامة ) ، وغير ذلك من أقوال الأئمة أن عذاب الله المراد بالآية لم يقع لكنه عبر بلفظ الماضي ( أتي ) أي وعد الله بذلك ثبت لكن العذاب نفسه لم يأت . وغير ذلك من أمثلة ليست قليلة ، والمسألة من الأصل معروفة لغويا لا حاجة للخوض فيها أو التمحك بأن التعبير بالماضي عن أمر مستقبلي أمر غريب ليس مشهورا في لغة العرب . وبالتالي فمن استدل بالآية مع الأحاديث لإثبات وقوع الانشقاق فلا عتب عليه ، أما الاستدلال بالآية وحدها علي ذلك فلا يكون .

كتب في إسلاميات

تفاصيل الكتاب

اللغة
ar