بعد نيِّف وأربعين ربيعًا أشرقَت فيها شمسُ الحياة، شعَر «زكي نجيب محمود» أن خريف عُمره قد حَل، وأن أوراقَ العُمر تتساقط أمام عينَيه، وأن شمسَه في طريقها إلى الأُفول نحو الغرب، فأشرقَ علينا بخواطرَ أدبيةٍ يَستعيد فيها مواقفَ مرَّت بحياتِه، ويَستذكِر إحساسَه بها، وكيف أصبحَت ذكرى يُطِل عليها الآن بعد أن أصقلَته الحياة، وغذَتْ روحَه الفلسفة، وتَذوَّق من جَمالياتِ الأدب ما أضفى على روحِه جَمالًا على جَمال؛ فجاءت خواطرُه قِطعًا فنِّية مُفعَمة بحِكمة الفيلسوف، وجَمالية الأديب، تُبحِر في معاني الحياة، وتَتأمَّلها لتُقدِّم لنا رؤيةً جديدة قوامُها الإنسانيةُ والرحمة! ففي خاطرة «يوم الميلاد» يُكسِب هذا اليومَ معانيَ عميقة لنُدرِك أننا سائرون إلى نُقصان، وفي خاطرة «بغير مِرآة» يُبرِّئ النرجسيةَ من المعنى السلبي الذي أُلصِق بها … وغيرهما من الخواطر المحمَّلة بمعانٍ إنسانيةٍ ساميَة.
يحوي هذا الكتاب واحد وخمسين مقالة أدبية وعظية للمؤلف ولكن لا نستطيع أن نصفها كلها بالوعظية فالكاتب لا يرسل مواعظة هكذا بل هو يحكي عن أحداث حدثت له شخصيا مؤرخة بالتواريخ أيضا واصفا مشاعرة بالتفصيل وهو يتكلم بصيغة المتكلم لا الراوي ويعطينا هذا شعورا أكثر بأن هذه المقالات ما هى إلا خواطر كتبها المؤلف فى لحظات جلاء وصفاء ذهن أو شجن أو آلم من شئ ما ..كما يعطينا هذا شعور أنه متقوقع على نفسه وأنه ما اراد نصحا لأحد فالنصح ثقيل وإنما أراد أن يخرج ما فى صدره فبدا كأنه تذكرة للقارئ حتى يحترس من كل شئ قد مر به المؤلف.